مـهلا ، هل هذه أول زياره لك للموقع ؟ أو

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1 2 3 4 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 31

الموضوع: ذوق الصلاة عند إبن القيم رحمه الله

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Aug 2015
    المشاركات
    1,278
    نقاط
    4,556


    الاستعاذة بالله

    فإذا شرع في القراءة قدم أمامها الاستعاذة بالله من الشيطان فإنه أحرص ما يكون على العبد في مثل هذا المقام الذي هو أشرف مقاماته وأنفعها له في دنياه وآخرته، فهو أحرص شيء على صرفه عنه واقتطاعه دونه بالبدن والقلب، فإن عجز عن اقتطاعه وتعطيله عنه بالبدن اقتطع قلبه وعطله عن القيام بين يدي الرب تعالى، فأمر العبد بالاستعاذة بالله منه ليسلم له مقامه بين يدي ربه، وليحيي قلبه ويستنير بما يتدبره ويتفهمه من كلام سيده الذي هو سبب حياته ونعيمه وفلاحه، فالشيطان أحرص على اقتطاع قلبه عن مقصود التلاوة.
    ولما علم سبحانه حسد العدو وتفرغه للعبد، وعجز العبد عنه، أمره بأن يستعيذ به سبحانه ويلتجئ إليه في صرفه عنه فيكتفي بالاستعاذة مؤنة محاربته ومقاومته، فكأنه قيل له: لا طاقة لك بهذا العدو فاستعذ بي واستجر بي أكفكه وأمنعك منه.
    وقال لي شيخ الإسلام([1]) قدس الله روحه يومًا: «إذا هاش عليك كلب الغنم فلا تشتغل بمحاربته ومدافعته، وعليك بالراعي فاستغث به فهو يصرف عنك الكلب».
    فإذا استعاذ بالله من الشيطان بَعُدَ منه فأفضى القلب إلى معاني القرآن، ووقع في رياضه المونقة([2]) وشاهد عجائبه التي تبهر العقول، واستخرج من كنوزه وذخائره ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وكان الحائل بينه وبين ذلك, النفس والشيطان، والنفس منفعلة للشيطان سامعة منه فإذا بعد عنها وطرد لمَّ بها الملك وثبتها وذكرها بما فيه سعادتها ونجاتها.

    ([1])هو ابن تيمية رحمه الله.
    ([2])المونق: من الأنق وهو الفرح والسرور، ورياضه المونقة أي بساتينه التي تجلب الفرح والسرور.

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Aug 2015
    المشاركات
    1,278
    نقاط
    4,556
    القراءة

    فإذا أخذ في قراءة القرآن فقد قام في مقام مخاطبة ربه ومناجاته، فليحذر كل الحذر من التعرض لمقته وسخطه أن يناجيه ويخاطبه وهو معرض عنه ملتفت إلى غيره، فإنه يستدعي بذلك مقته ويكون بمنزلة رجل قربه ملك من ملوك الدنيا فأقامه بين يديه، فجعل يخاطبه الملك وقد ولاه قفاه أو التفت عنه بوجهه يمنة ويسرة، فما الظن بمقت الملك لهذا، فما الظن بالملك الحق المبين الذي هو رب العالمين وقيوم السماوات والأرض.
    وليقف عند كل آية من الفاتحة ينتظر جواب ربه له وكأنه سمعه يقول: حمدني عبدي حين يقول: }الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{ فإذا قال: }الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ{وقف لحظة ينتظر قوله: «أثنى علي عبدي» فإذا قال: }مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ{ انتظر قوله: «مجدني عبدي» فإذا قال: }إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ{ انتظر قوله: «هذا بيني وبين عبدي» فإذا قال: }اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ{ إلى آخر انتظر قوله: «هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل»([1]).

    ([1])إشارة إلى حديث أبي هريرة وأوله «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» وقد أخرجه مسلم كتاب الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (1/296).

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Aug 2015
    المشاركات
    1,278
    نقاط
    4,556
    طعم الصلاة

    ومن ذاق طعم الصلاة علم أنه لا يقوم غير التكبير والفاتحة مقامهما، كما لا يقوم غير القيام والركوع والسجود مقامها، فلكل عبودية من عبودية الصلاة سر وتأثير وعبودية لا تحصل من غيرها، ثم لكل آية من آيات الفاتحة عبودية وذوق ووجد يخصها.

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Aug 2015
    المشاركات
    1,278
    نقاط
    4,556
    الحمد لله

    فعند قوله: }الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{تجد تحت هذه الكلمة إثبات كل كمال للرب تعالى فعلاً ووصفًا واسمًا, وتنزيهه عن كل سوء وعيب فعلاً ووصفًا واسمًا, فهو محمود في أفعاله وأوصافه وأسمائه, منزه عن العيوب والنقائص في أفعاله وأوصافه وأسمائه، فأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل لا تخرج عن ذلك، وأوصافه كلها أوصاف كمال ونعوت جلال، وأسماؤه كلها حسنى، وحمده قد ملأ الدنيا والآخرة والسماوات والأرض وما بينهما وما فيهما فالكون كله ناطق بحمده، والخلق والأمر صادر عن حمده وقائم بحمده ووجد بحمده؛ فحمده هو سبب وجود كل موجود، وهو غاية كل موجود، وكل موجود شاهد بحمده، وإرساله رسوله بحمده، وإنزاله كتبه بحمده، والجنة عمرت بأهلها بحمده، والنار عمرت بأهلها بحمده، وما أطيع إلا بحمده وما عُصي إلا بحمده، ولا تسقط ورقة إلا بحمده، ولا يحرك في الكون ذرة إلا بحمده، وهو المحمود لذاته، وإن لم يحمده العباد، كما أنه هو الواحد الأحد ولو لم يوحده العباد، والإله الحق وإن لم يؤلهوه، وهو سبحانه الذي حمد نفسه على لسان القائل: الحمد لله رب العالمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده»([1]).
    فهو الحامد لنفسه في الحقيقة على لسان عبده، فإنه الذي أجرى الحمد على لسانه وقلبه وإجراؤه بحمده.
    فله الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فهذه المعرفة من عبودية الحمد.
    ومن عبوديته أيضًا أن يعلم أن حمده لربه سبحانه نعمة منه عليه، يستحق عليها الحمد فإذا حمده على هذه النعمة استوجب عليه حمدًا آخر على نعمة حمده وهلم جرا.
    فالعبد ولو استنفد أنفاسه كلها في حمده على نعمة من نعمه كان ما يجب له من الحمد ويستحق فوق ذلك وأضعاف، ولا يُحصي أحد البتة ثناء عليه بمحامده.
    ومن عبودية العبد شهود العبد لعجزه عن الحمد وأن ما قام به منه، فالرب سبحانه هو المحمود عليه إذ هو مجريه على لسانه وقلبه.
    ومن عبوديته تسليط الحمد على تفاصيل أحوال العبد كلها ظاهرة وباطنة على ما يحب العبد وما يكرهه، فهو سبحانه المحمود على ذلك كله في الحقيقة وإن غاب عن شهود العبد.

    ([1])إشارة إلى حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مسلم (404).

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Aug 2015
    المشاركات
    1,278
    نقاط
    4,556
    رب العالمين



    ثم لقوله: }رَبِّ الْعَالَمِينَ{من العبودية شهود تفرده سبحانه بالربوبية، وأنه كما أنه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومدبر أمورهم وموجدهم ومفنيهم فهو وحده إلههم ومعبودهم وملجأهم ومفزعهم عند النوائب فلا رب غيره، ولا إله سواه.

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Aug 2015
    المشاركات
    1,278
    نقاط
    4,556
    الرحمن الرحيم

    ثم لقوله: }الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ{ عبودية تخصها، وهي شهود عموم رحمته وسعها لكل شيء وأخذ كل موجود بنصيبه منها، ولا سيما الرحمة الخاصة التي أقامت عبده بين يديه في خدمته يناجيه بكلامه ويتملقه ويسترحمه ويسأله هدايته ورحمته وإتمام نعمته عليه، فهذا من رحمته بعبده، فرحمته وسعت كل شيء, كما أن حمده وسع كل شيء.

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Aug 2015
    المشاركات
    1,278
    نقاط
    4,556
    مالك يوم الدين

    ثم يُعطي قوله: }مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ{عبوديتها ويتأمل تضمنها لإثبات المعاد، وتفرد الرب فيه بالحكم بين خلقه، وأنه يوم يدين فيه العباد بأعمالهم في الخير والشر وذلك من تفاصيل حمده، وموجبه.

    ولما كان قوله:}الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{ إخبارًا عن حمده تعالى قال الله: «حمدني عبدي» ولما كان قوله: }الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ{ إعادة وتكريرًا لأوصاف كماله قال: «أثنى علي عبدي» فإن الثناء إنما يكون بتكرار المحامد وتعداد أوصاف المحمود، ولما وصفه سبحانه بتفرده بـ }مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ{ وهو الملك الحق المتضمن لظهور عدله وكبريائه وعظمته ووحدانيته وصدق رسله، سمى هذا الثناء مجدًا فقال: «مجدني عبدي» فإن التمجيد هو الثناء بصفات العظمة والجلال.

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Aug 2015
    المشاركات
    1,278
    نقاط
    4,556
    إياك نعبد وإياك نستعين

    فإذا قال: }إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ{ انتظر جواب ربه له: «هذا بيني وبين عبدي؛ ولعبدي ما سأل» وتأمل عبودية هاتين الكلمتين وحقوقهما ومَيِّزَ الكلمة التي لله والكلمة التي للعبد، وَفَقِهَ سرَّ كون إحداهما لله والأخرى للعبد، وميز بين التوحيد الذي تقتضيه كلمة }إِيَّاكَ نَعْبُدُ{ والتوحيد الذي تقتضيه كلمة }وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ{ وَفَقِهَ سرَّ كون هاتين الكلمتين في وسط السورة بين نوعي الثناء قبلهما والدعاء بعدهما, وَفَقِهَ تقديم: }إِيَّاكَ نَعْبُدُ{ على }وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ{ وتقديم المعمول على الفعل مع الإتيان به مؤخرًا، أوجز وأشد اختصارًا، وسر إعادة الضمير مرة بعد مرة، وعلم ما دفع كل واحدة من الكلمتين من الآفة المنافية للعبودية، وكيف تدخله الكلمتان في صريح العبودية، وَعَلِمَ كيف يدور القرآن من أوله إلى آخره على هاتين الكلمتين بل كيف يدور عليهما الخلق والأمر والثواب والعقاب والدنيا والآخرة، وكيف تضمنتا لأجلَّ الغايات وأكمل الوسائل، وكيف جيء بهما بضمير الخطاب والحضور دون ضمير الغائب.

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Aug 2015
    المشاركات
    1,278
    نقاط
    4,556
    اهدنا الصراط المستقيم


    ثم تأمل ضرورته وفاقته إلى قوله: }اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ{ الذي مضمونه:
    1- معرفة الحق. 2- وقصده وإرادته.
    3- والعمل به 4- والثبات عليه.
    5- والدعوة إليه والصبر على أذى المدعو
    فباستكمال هذه المراتب الخمس تستكمل الهداية وما نقص منها نقص من هدايته.

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Aug 2015
    المشاركات
    1,278
    نقاط
    4,556
    أمور الهداية

    ولما كان العبد مفتقرًا إلى هذه الهداية في ظاهره وباطنه في جميع ما يأتيه ويذره من:1- أمور قد فعلها على غير الهداية علمًا، وعملاً وإرادة فهو محتاج إلى التوبة منها وتوبته منها هي الهداية.2- وأمور قد هدي إلى أصلها دون تفصيلها، فهو محتاج إلى هداية تفاصيلها.3- وأمور قد هدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها؛ لتتم له الهداية ويزاد هدى إلى هداه.4- وأمور يحتاج فيها إلى أن يحصل له من الهداية في مستقبلها مثلما حصل له في ماضيها.5- وأمور يعتقد فيها بخلاف ما هي عليه، فهو محتاج إلى هداية تنسخ من قلبه ذلك الاعتقاد، وتثبت فيه ضده.6- وأمور من الهداية هو قادر عليها، ولكن لم يخلق له إرادة فعلها فهو محتاج في تمام الهداية إلى خلق إرادة يفعلها بها.7- وأمور منها هو غير قادر على فعلها مع كونه مريدًا فهو محتاج في هدايته إلى إقداره عليها.8- وأمور منها هو غير قادر عليها ولا مريد لها فهو محتاج إلى خلق القدرة والإرادة له لتتم له الهداية.9- وأمور هو قائم بها على وجه الهداية اعتقادًا وإرادة وعملاً فهو محتاج إلى الثبات عليها واستدامتها.كانت([1]) حاجته إلى سؤال الهداية أعظم الحاجات وفاقته إليها أشد الفاقات، فرض عليه الرب الرحيم هذا السؤال كل يوم وليلة في أفضل أحواله، وهي الصلوات الخمس مرات متعددة، لشدة ضرورته وفاقته إلى هذا المطلوب.

    ([1])جواب قوله: «ولما كان العبد مفتقرًا..».

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1 2 3 4 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الرسوم والألوان
لون التذليل
مشرقمظلم
لون الشريط العلوي
مشرقمظلم
الشريط العلوي ثابت؟
نعم - لا
نسق الهيدر
Geometry Polygon لون بسيط