المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يا أهل الأماني والغرور استعدوا ليوم البعث والنشور



SeIfElLaH
10-09-2015, 07:16 PM
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ{ [آل عمران: 102]. }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً{ [النساء: 1] }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا{ [الأحزاب: 70، 71].

أما بعد: "فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار([1]) .

أخي المسلم.. أختي المسلمة: إن الخوف هو سوط الله، عز وجل، يسوق به عباده إلى العلم والعمل، لينالوا بهما القرب من الله تعالى، والخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في المستقبل، والخوف المحمود هو الذي يكف الجوارح عن المعاصي ويقيدها بالطاعات، والخوف القاصر يدعو إلى الغفلة والجرأة على الذنب.

وكلما زاد علم العبد بالله، عز وجل، زادت خشيته من الله تعالى قال سبحانه: }إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ{ [فاطر: 28] ومن ثم غلب الخوف على الأنبياء و الرسل، عليهم السلام، والعلماء والأولياء قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له» ([2]) .

وقد جمع الله عز وجل، للخائفين الهدى، والرحمة، والعلم، والرضوان، وهي مجامع مقامات أهل الجنات.

قال الله تعالى: }وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ{ [الأعراف: 154].
وقال تعالى: }وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ{ [فاطر: 28] وقال عز وجل: }جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ{ [البينة: 8].

وذكر -عزَّ وجلَّ- عاقبة الخائفين منه فقال: }إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ{ [الملك: 12].

ولقد كان السلف الصالح في غاية الخوف من الله تعالى مع غاية الجد في طاعته- سبحانه- فهذا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه بعدما سلم من صلاة الفجر، وقد علاه كآبة وهو يقلب يديه ويقول: لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أر اليوم شيئًا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثًا صفرًا غبرًا، بين أعينهم أمثال ركب المعزى قد باتوا سجدًا وقيامًا يتلون كتاب الله يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا ذكروا الله فتمادوا كما يميد الشجر يوم الريح، وهملت أعينهم بالدموع حتى تبل ثيابهم، والله لكأني بالقوم باتوا غافلين.

ولقد ذكرت نماذج عجيبة من حال السلف في هذا الجانب في كتابي "أين دمعتك في دموع الباكين؟" فراجعه إن شئت غير مأمور فقد ذكرت فيه ستة وعشرين أثرًا عن أحوال الصحابة والتابعين في ذلك تحت عنوان "نماذج مضيئة من السلف في الخوف من الله تعالى على الدرب تسير".

إن كثيرًا من الناس لم يضعوا الإيمان باليوم الآخر نصب أعينهم ولا أكون مبالغًا إن قلت أن الإيمان باليوم الآخر لم يدخل صميم قلوبهم، ولم يتمكن من سويداء أفئدتهم، ويدل على ذلك شدة تشميرهم لحر الصيف وبرد الشتاء وتهاونهم بحر جهنم وزمهريرها مع ما تكتنفه من المصاعب والأهوال، بل إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم ثم غفلت عنه قلوبهم، ومن أخبر بأن ما بين يديه من الطعام مسموم فقال لصاحبه الذي أخبره صدقتك، ثم مد يده ليتناوله -كان مصدقًا بلسانه ومكذبًا بعمله، وتكذيب العمل أبلغ من تكذيب اللسان.


ولا شك أن هذا الباب، أعني الكتابة في هذا الموضوع، وهو اليوم الآخر قد ولجه بعض أهل العلم، وكذا طلاب العلم فأحببت أن يكون لي في ذلك سهم ، وذلك بتيسير العبارة والاختصار مع عدم الإخلال إن شاء الله تعالى، لا سيما وأنه قد سألني بعض الأخوان الكتابة في ذلك ، فشمرت عن ساعد الجد مستعينًا بالله تعالى ، مستمدًا منه سبحانه العون والفائدة لإخراج هذه الرسالة الصغيرة الحجم العظيمة الفائدة، إن شاء الله تعالى، حتى تكون مشعل هداية لرد الشارد عن طاعة الله تعالى.

علمًا بأنها قد جاءت مخرجة الأحاديث ومحققة من قبل رجال هذا الفن الشريف ولله الحمد والمنة، فما كان فيها من خير فهو من فضل الله تعالى وتوفيقه ، وما كان فيها من نقص أو زلل أو خطأ أو نسيان فهو من نفسي أو من الشيطان ، وانتظر نصح الناصحين وإرشاد وتوجيه المرشدين والموجهين، والله أسأل أن تكون هذه الرسالة من الصدقة الجارية لي بعد موتي، وأن ينفعني بها عند لقائه وبين يديه، سبحانه وتعالى، وأسأل الله الإخلاص في القول والعمل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
([1]) رواه أحمد في المسند ، ومسلم (867) ، وابن ماجة (45) ، والنسائي (3/188) وقد تفرد بـ "وكل ضلالة في النار" وقد صححها العلامة الألباني، حفظه الله صحيح الجامع (1353).
([2]) جزء من حديث: رواه البخاري (5063) وهو حديث الثلاثة رهط المشهور.

SeIfElLaH
10-10-2015, 09:57 AM
يوم القيامة.. وما أدراك ما يوم القيامة



أخي المسلم: مثل لنفسك وقد بعثت من قبرك مبهوتًا من شدة الصاعقة شاخص العين نحو النداء، وقد ثار الخلق ثورة واحدة من القبور التي طال فيها بلاؤهم، وقد أزعجهم الرعب مضافًا إلى ما كان عندهم من الهموم والغموم وشدة الانتظار لعاقبة الأمر قال تعالى: }وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ{ [الزمر: 68].



وتفكر في الخلائق وذلهم وانكسارهم واستكانتهم انتظارًا لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة، وأنت فيما بينهم منكسر كانكسارهم متحير كتحيرهم، فكيف حالك وحال قلبك هنالك وقد بدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وطمس الشمس والقمر، وأظلمت الأرض، واشتبك الناس وهم حفاة عراة مشاة وازدحموا في الموقف شاخصة أبصارهم، منفطرة قلوبهم، فتأمل يا مسكين في طول هذا اليوم وشدة الانتظار فيه والخجل من الافتضاح عند العرض على الجبار، تبارك وتعالى، وأنت عار مكشوف ذليل متحير مبهوت منتظر ما يجري عليك من السعادة أو الشقاوة، وأعظم بهذه الحال فإنها عظيمة، واستعد لهذا اليوم العظيم شأنه، القاهر سلطانه، القريب أوانه، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.



يوم ترى السماء فيه قد انفطرت، والكواكب من هوله قد انتثرت، والنجوم الزواهر قد انكدرت، والشمس قد كورت، والجبال قد سيرت، والعشار قد عطلت، والوحوش قد حشرت، والبحار قد سجرت، والنفوس إلى الأبدان قد زوجت، والجحيم قد سعرت، والجنة قد أزلفت.



وقد وصف الله عز وجل، دواهي يوم القيامة وأكثر من أساميه؛ لتقف بكثرة أساميه على كثرة معانيه فمن أساميه:



يوم القيامة، ويوم الحسرة، ويوم الزلزلة، ويوم الواقعة، ويوم القارعة، ويوم الغاشية، ويوم الراجفة، ويوم الحاقة، ويوم الطامة، ويوم الصاخة، ويوم التلاق، ويوم الجزاء، ويوم الوعيد، ويوم العرض، ويوم الفصل، ويوم الدين، ويوم النشور.


يقول الحارث المحاسبي، رحمه الله واصفًا ما يقع في ذلك

اليوم من أهوال:


حتى إذا تكاملت عدة الموتى، وخلت من سكانها الأرض والسماء، فصاروا خامدين بعد حركاتهم، فلا حس يسمع، ولا شخص يرى، وقد بقي الجبار الأعلى كما لم يزل أزليًا واحدًا منفردًا بعظمته وجلاله، ثم لم يفجأ روحك إلا بنداء المنادي لكل الخلائق معك للعرض على الله، عز وجل، بالذل والصغار منك ومنهم.



فتوهم كيف وقوع الصوت في مسامعك وعقلك وتفهم بعقلك بأنك تدعى إلى العرض على الملك الأعلى، فطار فؤادك، وشاب رأسك للنداء، لأنها صيحة واحدة بالعرض على ذي الجلال والإكرام والعظمة والكبرياء فبينما أنت فزع للصوت إذ سمعت بانفراج الأرض على رأسك ، فوثبت مغبرًا من قرنك إلى قدمك بغبار قبرك ، قائم على قدميك، شاخص ببصرك نحو النداء، وقد ثار الخلائق كلهم معك ثورة واحدة وهم مغبرون من غبار الأرض التي طال فيها بلاؤهم.



فتوهم ثورتهم بأجمعهم بالرعب والفزع منك ومنهم، فتوهم نفسك بعريك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وغمومك وهمومك في زحمة الخلائق، عراة حفاة صموت أجمعون بالذلة والمسكنة والمخافة والرهبة، فلا تسمع إلا همس أقدامهم والصوت لمدة المنادي، والخلائق مقبلون نحوه، وأنت فيهم مقبل نحو الصوت، ساع بالخشوع والذلة، حتى إذا وافيت الموقف ازدحمت الأمم كلها من الجن والإنس عراة حفاة، قد نزع الملك من ملوك الأرض ، ولزمتهم الذلة والصغار.



ثم أقبلت الوحوش من البراري وذرى الجبال منكسة رؤوسهم لذل يوم القيامة بعد توحشها وانفرادها من الخلائق ذليلة ليوم النشور لغير بلية نابتها ولا خطيئة أصابتها، فتوهم إقبالها بذلها في اليوم العظيم ليوم العرض والنشور.



وأقبلت السباع بعد ضراوتها وشهامتها منكسة رؤوسها ذليلة ليوم القيامة حتى وقفت من وراء الخلائق بالذل والمسكنة والانكسار للملك الجبار، وأقبلت الشياطين بعد عتوها وتمردها خاشعة لذل العرض على الله سبحانه ، فسبحان الذي جمعهم بعد طول البلاء واختلاف خلقهم وطبائعهم وتوحش بعضهم من بعض قد أذهلهم البعث وجمع بينهم النشور.



حتى إذا تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها وشياطينها ووحوشها وسباعها وأنعامها وهوامها، واستووا جميعًا في موقف العرض والحساب تناثرت نجوم السماء من فوقهم وطمست الشمس والقمر، وأظلت الأرض بخمود سراجها وإطفاء نورها.



فبينما أنت والخلائق على ذلك إذ صارت السماء الدنيا من فوقهم، فدارت بعظمها من فوق رؤوسهم وأنت بعينك تنظر إلى هول ذلك، ثم انشقت بغلظها خمسمائة عام، فيا هول صوت انشقاقها في سمعك، ثم تمزقت وانفطرت بعظيم هول يوم القيامة ، والملائكة قيام على أرجائها وهي حافات ما يتشقق ويتفطر، فما ظنك بهول تنشق فيه السماء بعظمها فأذابها ربها.



حتى إذا وافى الموقف أهل السماوات السبع والأرضين السبع واشتد حر الشمس وأدنيت من رؤوس الخلائق، ولا ظل لأحد إلا ظل عرش رب العالمين، فما بين مستظل بظل العرش، وبين مضحو بحر الشمس قد صهرته بحرها واشتد كربه وقلقه من وهجها، ثم ازدحمت الأمم وتدافعت، واجتمع حر الشمس ووهج أنفاس الخلائق وتزاحم أجسامهم، ففاض العرق منهم سائلا حتى استنقع على وجه الأرض ثم على الأبدان على قدر مراتبهم ومنازلهم عند الله، عز وجل، بالسعادة والشقاء، فمنهم من بلغ العرق كعبيه، وبعضهم حقويه، وبعضهم إلى شحمة أذنيه.



فتوهم نفسك وقد علاك العرق، وأطبق عليك الغم: وضاقت نفسك في صدرك من شدة العرق والفزع والرعب، والناس معك منتظرون لفصل القضاء إلى دار السعادة أو إلى دار الشقاء، قال الحسن: ما ظنك بأقوام قاموا لله عز وجل، على أقدامهم خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة.



فتوهم نفسك وأنت واقف بين الخلائق وكل منهم ينادي نفسي نفسي، فيا هول ذلك اليوم وأنت تنادي معهم بالشغل بنفسك والاهتمام بخلاصها من عذاب ربك وعقابه ([1]) .

([1]) راجع كتاب "التوهم والأهوال" بتصرف بسيط.

SeIfElLaH
10-10-2015, 09:57 AM
أرض المحشر وصفة الحشر


ثم انظر كيف يساقون بعد البعث والنشور حفاة عراة غرلا إلى أرض المحشر قال تعالى: }يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ{ [إبراهيم: 48] وعن سهل بن سعد، رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الناس على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقي"([1]) قال سهل أو غيره: ليس فيها معلم لأحد.


أما عن صفة الحشر: ففي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحشر الناس على ثلاث طرائق؛ راغبين وراهبين، واثنان على بعير، ثلاثة على بعير، أربعة على بعير. عشرة على بعير، يحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا» ([2]).


وعن قتادة قال حدثنا أنس، رضي الله عنه، أن رجلاً قال يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» قال قتادة: بلى وعزة ربنا ([3]).


وقال تعالى: }يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ *خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ{ [المعارج: 43، 44].


الأجداث:هي القبور، والآيتان تصوران خروجهم من القبور في ذلك اليوم منطلقين إلى مصدر الصوت كأنهم يسرعون إلى الأنصاب التي كانوا يعبدونها في الدنيا، ولكنهم اليوم لا ينطلقون فرحين أشرين بطرين كما كان حالهم عندما كانوا يقصدون الأنصاب، بل هم أذلاء، أبصارهم خاشعة، والصغار يعلوهم على النعت الذي كان يعدهم الله عز وجل، به في الدنيا.


الكفار ينادون بالويل والثبور عندما ينفخ في الصور متسائلين عمن أقامهم من رقدتهم: قال الله عز وجل: }وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ *قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ{ [يس: 51 -52 ].


وقد كان أبو محكم الجسري يجتمع إليه إخوانه، وكان حكيمًا، فإذا تلا الآيتين السابقتين بكي، ثم قال: "إن القيامة ذهبت فظاعتها بأوهام العقول، أما والله لئن كان القوم في رقدة مثل ظاهر قولهم، لما دعوا بالويل عند أول وهلة من بعثهم ولم يوقفوا بعد موقف عرض ولا مسألة إلا وقد عاينوا خطرًا عظيمًا، وحقت عليهم القيامة بالجلائل من أمرها، ولكن كانوا في طول الإقامة في البرزخ يألمون ويعذبون في قبورهم، وما دعوا بالويل عند انقطاع ذلك عنهم، إلا وقد نقلوا إلى طامة هي أعظم منه، ولولا أن الأمر على ذلك ما استصغر القوم ما كانوا فيه فسموه رقادًا وإن في القرآن لدليلا على ذلك }فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى{ [النازعات: 34]. ثم يبكي حتى يبل لحيته.


ويضيف القرآن ملامح جديدة إلى صورتهم حال بعثهم، فأبصارهم لشدة الهول شاخصة جاحظة، وأفئدتهم خالية إلا من الهول الذي يحيط بهم قال تعالى: }وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ *مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ{ [إبراهيم: 42، 43].


فشتان بين الفريقين وفرق بين الطريقين، أولئك يغدون ركبانًا إلى جنات النعيم ورحمة الرحمن الرحيم، وهؤلاء يسحبون سحبًا إلى نار الجحيم ونكالها الأليم وعذابها المقيم }يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا *وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا{ [مريم: 85، 86].


قال ابن عباس، رضي الله عنهما :" وفدا: ركبانًا" ، وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: "لا والله ما على أرجلهم يحشرون ، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها عليها رحائل من ذهب ، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة ([4]) .


وقوله تعالى: }وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا{ أي عطاشًا قاله عطاء وابن عباس، ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد([5]) .


نعم: يحشرون عطاشًا قد اشتد بهم العطش، ولكنهم لا يردون إلى ماء بل إلى جهنم وجحيمها ومهلها وحميمها، والعياذ بالله.


لقد كانوا في الدنيا يرزقون ويسيرون ويذهبون ويجيئون ويشربون من الخمر ما يشاؤون ، فلما جاءهم الموت عرف كل منهم سبيله ، واتضح له مقيله.


هؤلاء في النور ينظرون، وأولئك في ظلمات لا يبصرون هؤلاء إلى الرحمن يفدون، وأولئك إلى النار يردون.


أهل الإيمان: عندما يبعثون من القبور تستقبلهم ملائكة الرحمن تهدئ من روعهم، وتطمئن قلوبهم }إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ *لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ *لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ{ [الأنبياء: 101-103].


الفزع الأكبر: قال ابن عباس، رضي الله عنهما، هو النفخ في الصور([6]).


وقال الله عز وجل: }يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ{ [الزخرف: 68، 69].
وعن شداد بن أوس، رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: وعزتي وجلالي، لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي» ([7]).

([1]) رواه البخاري (6521) واللفظ له، ومسلم (2790) وفيه لفظة "ليس فيها معلم لأحد" من قول النبي صلى الله عليه وسلم قال الخطابي، رحمه الله تعالى: العفر: بياض ليس بناصع. وقال القاضي عياض، رحمه الله تعالى: العفر: بياض يضرب إلى حمرة قليلاً وقال ابن فارس: معنى عفراء: خالصة البياض ، والمعلم: العلامة التي يهتدي بها إلى الطريق، كالجبل والصخرة، أو ما يضعه الناس دالاً على الطرقات، أو على قسمة الأرض "فتح الباري" (11/375) طبعة المكتبة السلفية.

([2]) رواه البخاري (6522) ومسلم (2861)والنسائي (4/115، 116).

([3]) رواه البخاري (4760) واللفظ له ومسلم (2806).

([4]) النهاية: للحافظ ابن كثير، رحمه الله (1/274) نشر مكتبة النهضة الحديثة الرياض.

([5]) في ظلال القرآن (4/2111).

([6]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير رحمه الله (3/137).

([7]) حسن صحيح الجامع (4332).

SeIfElLaH
10-10-2015, 09:59 AM
مشهد الحساب



حدثنا كتاب ربنا، سبحانه، عن مشهد الحساب فقال: }وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ{ [الزمر: 69] وحسبنا أن نعلم أن القاضي والمحاسب في ذلك اليوم هو الحكم العدل قيوم السماوات والأرض ليتبين لنا عظم هذا المشهد وجلاله ومهابته، وقال الله تعالى }هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ{ [البقرة: 210] وهو مجيء الله بكيفيته، نؤمن ونعلم أنه حق، ولا نؤوله ولا نحرفه، ولا نكذب به، والآية تنص على مجيء الملائكة، فهو موقف جليل تحضره ملائكة الرحمن بكتب الأعمال التي أحصت على الخلق أعمالهم وتصرفاتهم وأقوالهم ليكون حجة على العباد، وهو كتاب لا يغادر صغيره ولا كبيرة إلا أحصاها }وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا{ [الكهف: 47].



ويجاء في موقف القضاء والحساب بالرسل، عليهم السلام، ويسألون عن الأمانة التي حملهم الله إياها. وهي إبلاغ وحي الله إلى من أرسلوا إليهم، ويشهدوا على أقوامهم ما علموه منهم.



ويقوم الأشهاد في ذلك اليوم العظيم فيشهدون على الخلائق بما كان منهم ، والأشهاد هم الملائكة الذين كانوا يسجلون على المرء أعماله ويشهد أيضًا الأنبياء كما تشهد على العباد الأرض والسماء والليالي والأيام. أما الأنبياء، عليهم السلام، قال الله فيهم }فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا{ [النساء: 41].



وعن الملائكة قال الله تعالى: }وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ{ [ق: 21].



وعن شهادة الأرض قال الله عز وجل: }يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا{ [الزلزلة: 4]

فإذا لج العبد في الخصومة، وكذب ربه وكذب الشهود الذين شهدوا عليه، أقام الله، عز وجل، عليه شاهدًا منه، فتشهد على المرء أعضاؤه، ويصف الله جل وعلا هذا التخاصم فيقول، سبحانه: }وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ{ [فصلت: 19-23].



وعن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: كنا عند رسول الله فضحك فقال: «هل تدرون مم أضحك؟» قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «من مخاطبة العبد ربه يقول: يا رب: ألم تجرني من الظلم؟ قال يقول: بلى، قال فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا قال فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلي بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل»([1]).



وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت أفلح ونجح وإلا خاب وخسر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر وإن انتقص من فريضة قال الرب: أنظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة. ثم يكون سائر عمله على ذلك» ([2]).


([1]) رواه مسلم (2969).

([2]) صحيح: صحيح الجامع (2020).

SeIfElLaH
10-10-2015, 10:01 AM
إيتاء العباد كتبهم



في ختام مشهد الحساب يعطى كل عبد كتابه المشتمل على سجل كامل لأعماله التي في الحياة الدنيا وتختلف الطريقة التي يؤتى بها العباد كتبهم، فأما المؤمن فإنه يؤتى كتابه بيمينه من أمامه، فيحاسب حسابًا يسيرًا وينقلب إلى أهل في الجنة مسرورًا }فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ *{ [الحاقة: 19-24].



وأما الكفار والمنافقين فإنهم يؤتون كتبهم بشمالهم من رواء ظهورهم: وعند ذلك يدعو الكافر بالويل والثبور، وعظائم الأمور }وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا{ [الانشقاق: 10-12] }وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا‎ لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ *{ [الحاقة: 25-29].

SeIfElLaH
10-10-2015, 10:04 AM
اقتصاص المظالم بين الخلق


يقتص الحكم العدل، سبحانه وتعالى، في يوم القيامة للمظلوم من الظالم، حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، حتى الحيوان يقتص لبعضه من بعض، فإذا انططحت شاتان إحداهما جلحاء لا قرون لها، والأخرى ذات قرون، فإنه يقتص لتلك من هذه، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»([1]).


والذي يعتدي على غيره بالضرب يقتص منه بالضرب في يوم القيامة، فعن عمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ضرب مملوكه ظالمًا أقيد منه يوم القيامة»([2]).


عظم شأن الدماء: من أعظم الأمور عند الله أن يسفك العباد بعضهم دم بعض في غير الطريق الذي شرعه الله، تبارك وتعالى، ولعظم أمر الدماء فإنها تكون أول شيء يقضى فيه بين العباد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما يقضى بين الناس، يوم القيامة في الدماء»([3]).


ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته..»([4]) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة رفعه: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته» الحديث أخرجه أصحاب السنن، لأن الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق.


والثاني: فيما يتعلق بعبادة الخالق. وقد جمع النسائي في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين، ولفظه: «أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء» أ.هـ ([5]).


قلت: وحديث النسائي صححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة (1748) ويكفي، إن شاء الله، عدم تعليق الحافظ، رحمه الله عليه أي أنه صحيح عنده رحم الله سلفنا وبارك في علمائنا.


([1]) رواه مسلم (2582).

([2]) صحيح: صحيح الجامع (6376).

([3]) رواه البخاري (6533) ومسلم (1678) وغيرهما واللفظ له.

([4]) صحيح: صحيح الجامع (2574) وقال أنه رواة تميم الداري وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم.

([5]) فتح الباري (11/396).

SeIfElLaH
10-10-2015, 10:23 AM
اقتصاص المظالم بين الخلق


يقتص الحكم العدل، سبحانه وتعالى، في يوم القيامة للمظلوم من الظالم، حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، حتى الحيوان يقتص لبعضه من بعض، فإذا انططحت شاتان إحداهما جلحاء لا قرون لها، والأخرى ذات قرون، فإنه يقتص لتلك من هذه، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»([1]).


والذي يعتدي على غيره بالضرب يقتص منه بالضرب في يوم القيامة، فعن عمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ضرب مملوكه ظالمًا أقيد منه يوم القيامة»([2]).


عظم شأن الدماء: من أعظم الأمور عند الله أن يسفك العباد بعضهم دم بعض في غير الطريق الذي شرعه الله، تبارك وتعالى، ولعظم أمر الدماء فإنها تكون أول شيء يقضى فيه بين العباد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما يقضى بين الناس، يوم القيامة في الدماء»([3]).


ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته..»([4]) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة رفعه: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته» الحديث أخرجه أصحاب السنن، لأن الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق.


والثاني: فيما يتعلق بعبادة الخالق. وقد جمع النسائي في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين، ولفظه: «أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء» أ.هـ ([5]).


قلت: وحديث النسائي صححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة (1748) ويكفي، إن شاء الله، عدم تعليق الحافظ، رحمه الله عليه أي أنه صحيح عنده رحم الله سلفنا وبارك في علمائنا.


([1]) رواه مسلم (2582).

([2]) صحيح: صحيح الجامع (6376).

([3]) رواه البخاري (6533) ومسلم (1678) وغيرهما واللفظ له.

([4]) صحيح: صحيح الجامع (2574) وقال أنه رواة تميم الداري وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم.

([5]) فتح الباري (11/396).

SeIfElLaH
10-10-2015, 10:24 AM
الحــوض
يكرم الله سبحانه وتعالى، عبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم في الموقف العظيم بإعطائه حوضًا واسع الأرجاء، ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وريحه أطيب من المسك، آنيته أكثر من نجوم السماء، ترد عليه أمة محمد من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا.
الأحاديث الواردة فيه متواترة، وقد رواها عن الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من خمسين صحابيًا: وقد ذكر الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى أسماء رواة أحاديثه من الصحابة([1]).
وها هي بعض الأحاديث التي تصف حوض النبي صلى الله عليه وسلم:
1- عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدًا»([2]).
2- عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله! ما آنية الحوض؟ قال: «والذي نفس محمد بيده: لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة([3]) ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل»([4]).
([1]) رواه البخاري (6579) ومسلم (2292).
([2]) فتح الباري (11/468). فائدة: ذكر الإمام البخاري في صحيحه تسعة عشر حديثًا في "الحوض" في (كتاب الرقاق: باب: الحوض) وذكر الإمام مسلم في صحيحه ستة عشر حديثًا في الحوض في كتاب الفضائل: باب: إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته.
([3]) أيلة: هي مدينة العقبة في الأردن.
([4]) رواه مسلم (2300).

SeIfElLaH
10-10-2015, 10:30 AM
الصراط والمرور عليه
في ختام هذا اليوم العظيم ينصب الصراط ويعطى المؤمنون أنوارهم، ويسيرون على الصراط، ويطفأ نور المنافقين ويقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتسموا نورًا ثم يضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويمر العباد على الصراط مسرعين على قدر إيمانهم وأعمالهم الصالحة.
قال الله تعالى: }وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا{ [مريم: 71] وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «.. ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون اللهم سلم سلم» قيل يا رسول الله! وما الجسر قال: «دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، تكون بنجد ، فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون، كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم..» قال أبو سعيد رضي الله عنه: بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف([1]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «.. وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالاً فيمر أولكم كالبرق» قال: قلت: يا أبي أنت وأمي! أي شيء كمر البرق؟ قال: «ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وأشد الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب! سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا، قال: وفي حافتي الصراط، كلاليب معلقة، مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج ومكدوس في النار» والذي نفس أبي هريرة بيده! إن قعر جهنم لسبعون خريفًا ([2]).
([1]) رواه مسلم (183).
([2]) رواه مسلم (195).

SeIfElLaH
10-10-2015, 10:37 AM
حشر الكفار إلى النار أعاذنا الله منها
1- يحشر الكفار إلى النار كقطعان الماشية، ينهرون نهرًا غليظًا، ويصاح بهم من هنا وهناك، كما يفعل الراعي ببقره أو غنمه قال عز وجل: }يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا{ [الطور: 13] وقال جل وعلا: }وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ{ [فصلت: 19] فتتجمعهم الملائكة كما يجمع الناس البهائم.
2- ويحشرون إلى النار على وجوههم، لا كما كانوا يمشون في الدنيا على أرجلهم قال تعالى: }أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا{ [الفرقان: 24] عن أنس رضي الله عنه، أن رجلاً قال يا رسول الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة».
قال قتادة رحمه الله، وهو الراوي عن أنس، رضي الله عنه: «بلى وعزة ربنا»([1]).
ومع حشرهم على هذه الصورة المنكرة على وجوههم فإنهم يحشرون عميًا لا يرون، وبكما لا يتكلمون، وصما لا يسمعون }وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا{ [الإسراء: 97].
3- ويزيد بلاءهم أنهم يحشرون مع آلهتهم الباطلة وأعوانهم وأتباعهم: }احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ{ [الصافات: 22، 23].
4- وهم في هذا مغلوبون مقهورون أذلاء صاغرون }قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ{ [آل عمران: 12].
5- وقبل أن يصلوا إلى النار تصك مسامعهم أصواتها التي تملأ قلوبهم رعبًا وهلعًا }إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا{ [الفرقان: 12].
6- وعندما يبلغون النار ويعاينون أهوالها يندمون ويتمنون العودة إلى الدنيا كي يؤمنوا }وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ{ [الأنعام: 27] ولكنهم لا يجدون من النار مفرًا }وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا{ [الكهف: 53].
([1]) رواه مسلم (2806).

SeIfElLaH
10-10-2015, 10:41 AM
عظة المرور على الصراط

يقول الإمام القرطبي، رحمه الله : "تفكر الآن فيما يحل بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار، وتغيظها، وقد كلفت أن تمشي على الصراط، مع ضعف حالك، واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار، المانعة لك من المشي على بساط الأرض، فضلاً عن حدة الصراط، فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك، فأحسست بحدته، واضطررت أن ترفع قدمك الثاني، والخلائق بين يديك يزلون، ويعثرون وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون إلى جهة النار رؤوسهم وتعلو أرجلهم فيا له من منظر ما أفظعه، ومرتقى ما أصعبه، ومجاز ما أضيقه([1]) .

وقال أيضًا: فتوهم نفسك، يا أخي، إذا صرت على الصراط ونظرت إلى جهنم تحتك سوداء مظلمة، قد لظى سعيرها، وعلا لهيبها وأنت تمشي أحيانًا، وتزحف أخرى

([1]) التذكرة (2/332).

SeIfElLaH
10-10-2015, 10:43 AM
الخصمـاء ورد المظـالم

أخي المسلم.. أختي المسلمة: اعلموا علمني الله وإياكم أنه لا ينجو من أخطار الآخرة إلا من حاسب في الدنيا نفسه ووزن فيها بميزان الشرع أعماله وأقواله وخطواته ولحظاته، وإنما حسابه لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحًا ويتدارك ما فرط من تقصيره في فرائض الله تعالى، ويرد المظالم، ويستحل كل من تعرض له بلسانه ويده وسوء ظنه بقلبه، ويطيب قلوبهم حتى يموت ولم يبق عليه مظلمة ولا فريضة.

وأما من مات قبل رد المظالم أحاط به خصماؤه فهذا يأخذ بيده، وهذا يقبض على ناصيته، وهذا يتعلق به يقول ظلمتني وهذا يقول شتمتني وهذا يقول استهزأت بي وهذا يقول عاملتني فغششتني، وهذا يقول رأيتني محتاجًا وكنت غنيًا فما أطعمتني، فبينما أنت كذلك وقد أنشب الخصماء فيك مخالبهم ، وأحكموا في تلابيبك أيديهم ، وأنت مبهوت متحير من كثرتهم وقد ضعفت عن مقاومتهم ومددت عنق الرجاء إلى مولاك وسيدك لعله يخلصك من أيديهم إذا قرع سمعك نداء الجبار جل جلاله }الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ{ [غافر: 17] فعند ذلك ينخلع قلبك من هول الموقف.

فاحذر من التعرض لسخط الله وعقابه الأليم، واستقم على صراطه المستقيم، فمن أخلص النية واستقام على صراط الله في الدنيا خف على صراط الآخرة ونجا، ومن عدل عن الاستقامة في الدنيا وأثقل ظهره بالأوزار وعصى، تعثر في أول قدم من الصراط وتردى.

أخي المسلم.. أختي المسلمة: هذا ما يسر الله جمعه في مسألة البعث والنشور قد وضعته بين أيديكم حتى يكون دافعًا لكم إلى طاعة مولاكم، سبحانه وتعالى، فلا تنسوني من صالح دعائكم.

وأسأل الله تعالى أن يجمعني بكم في جنته ودار كرامته بفضله وكرمه ورحمته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.