المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطوات الشيطان



SeIfElLaH
10-10-2015, 10:49 AM
تمهيد


فبعد أن أُهبط إبليس من الملأ الأعلى وحرم عليه الجنة، فنزل إلى الأرض حقيراً ذليلاً مذؤوماً مدحوراً متوعداً بالنار هو وأتباعه من الجن والإنس - من ذلك اليوم جاهد كل الجهد على إضلال بني آدم بكل طريق وبكل مرصد؛ كما قال تعالى: } قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا{[الإسراء: 62].



وحذرنا الله منه، ودعانا إلى عدم طاعته وطاعة جنوده؛ قال تعالى: } يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ{ [الأعراف:27].



وهو مخلوق من نار؛ قال تعالى حاكياً قول إبليس: } أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ{ [الأعراف:12] وزعيم الشياطين إبليس؛ قال تعالى: }إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ{ [الحجر:31].


واسمه أيضاً الشيطان؛ قال تعالى: } يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ{ [البقرة:168].



ومن خطوات الشيطان التي يسعى عن طريقها في إغواء وإضلال البشر العلاقات الشيطانية التي تفسد الإنسان أو تفسد غيره.



علاقة بين الشيطان والإنسان؛ فهو له قرين؛ قال تعالى: } وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ{
[الزخرف:36، 37]؛ فيوسوس له فعل المعاصي وارتكاب الآثام.



وعلاقة بين الإنسان والآخرين؛ لتضليلهم وعمل الفواحش والمنكرات، بسبب إغواء الشيطان لهم؛ قال تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{ [النور:21].



وسأعرض بياناً لبعض هذه العلاقات الشيطانية للحذر منها، وسبل العلاج لها، وقبل هذا يجب أن تعرف:

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:19 PM
أماكن الشيطان:

الشياطين يسكنون هذه الأرض التي نعيش فيها، ولكن لا نراهم؛ قال تعالى: } إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ{ [الأعراف:27].



ويكثر تواجدهم في الخراب والفلوات ومواضع النجاسات؛ كالحمامات والحشوش والمزابل والمقابر، ويكثر تواجدهم أيضاً في الأماكن التي يستطيعون أن يفسدوا فيها كالأسواق؛ فقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم سليمان الفارسي رضي الله عنه قال: «لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها؛ فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته». رواه مسلم.



والشياطين تبيت في البيوت التي يسكنها الناس، وتطردها التسمية، وذكر الله، وقراءة القرآن، خاصة سورة البقرة، وآية الكرسي منها.



وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الشياطين تنتشر في الظلام، ولذا أمرنا أن نكفَّ صبياننا في هذه الفترة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم فأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله؛ فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، وأوكوا قربكم، واذكروا اسم الله، وخمَروا آنيتكم، واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئاً، وأطفئوا مصابيحكم». متفق عليه.

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:20 PM
مجالس الشياطين:




إن للشيطان أماكن يأوي إليها ويترصد الناس فيها ليكيدهم ويلحق الضرر بهم في دينهم ودنياهم؛ فعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه؛ فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة؛ يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا. فيقول: ما صنعت شيئاً! قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأته. قال: فيدنيه منه ويقول: نِِعْمَ أنت». قال الأعمش: أراه قال: فيلتزمه. رواه مسلم.

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:21 PM
فمن مجالسهم:


1- أماكن العبادة: قد يحضر الشيطان أماكن العبادة ليوسوس للعبد فيها، وليلهيه عنها، ويشوش عليه؛ ليبطل تلك العبادة أو ينقص من أجرها؛ عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». رواه مسلم.



2- أماكن اللهو: وأماكن اللهو المحرم من مجالس الشيطان، وهي مصائد الشيطان؛ فيها تؤتى الفواحش، وتهتك الأعراض، ويزين الشيطان فيها كل فجر وضلالة لمن يقصدها.



3- مواضع النجاسات:والمراحيض، والحمامات؛ فالشيطان يرتاح للخبث، وينظر عورات الناس في المرحاض والحمام، ولذا أُمرنا أن نسمي الله قبل دخول الحمامات والمراحيض، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». رواه مسلم وأحمد.


4- الأسواق ومفترق الطرق:هذه من أماكن الغفلة يجد الشيطان فيها طريقه إلى قلوب العباد، فينشر فيها الفساد ويهيئها لما يريد.

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:21 PM
من أعمال الشيطان (1):


إن إبليس عليه من الله ما يستحق، منذ أن طرد من الجنة وحتى الآن وإلى يوم القيامة، ليس له عمل إلا إضلال الخلق وإفسادهم، وله في ذلك طرق وأساليب، منها:



الإغواء: قال تعالى:} فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ{[ص:82].
وقال تعالى: } قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ{ [الحجر:39].



الاستزلال: قال تعالى: } إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا{ [آل عمران: 155].



الكيد: قال تعالى: } إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا{
[النساء: 76].



الوعود الكاذبة: قال تعالى:} يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا{ [النساء:120].



العداوة والبغضاء: قال تعالى:} إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ{ [المائدة:91].



الوسوسة: قال تعالى: } فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا{[الأعراف:20].



النزغ: قال تعالى: } إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ{ [الإسراء:53].


الدعوة إلى عبادته:وذلك بدعوتهم إلى عبادة غير الله والكفر بالله وشريعته، قال تعالى:} يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ{ [مريم: 44].



الفتنة: قال تعالى: } لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ{ [الحج: 53].



الأمر بالفحشاء والمنكر: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{ [النور:21].



الصد عن الخير: وهو لا يكتفي بدعوة الناس إلى الكفر والذنوب والمعاصي؛ بل يصدهم عن فعل الخير؛ فلا يترك سبيلاً من سبل الخير يسلكه عبد من عباد الله إلا قعد فيه، يصدهم ويميل بهم؛ قال تعالى: } وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ{
[الزخرف: 62]، وقال تعالى:} فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ{ [الأعراف:16 ، 17].



التزيين: فهو يزين للإنسان الشرك والمعاندة والمعاصي؛ قال تعالى: } وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [الأنعام: 43].



هذا هو السبيل الذي كان الشيطان ولا يزال يسلكه لإضلال العباد؛ فهو يُظهر الباطل في صورة الحق، والحق بصورة الباطل، ولا يزال بالإنسان يحسّن له الباطل، ويكرهه بالحق حتى يندفع إلى فعل المنكرات ويعرض عن الحق؛ كما قال إبليس لرب العزة:}رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ{ [الحجر:39 ، 40].



هذه بعض أعمال الشيطان التي يسلكها في إضلال بني آدم ليتبعوه ليكونوا من أصحاب السعير؛ قال تعالى: } إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ{ [فاطر: 6].
وإليكم بيان بعض علاقات الشيطان التي من خلالها يوقع الإنسان فيما حرم الله ويصد عن سبيله:

([1]) كتاب إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ابن قيم الجوزية، ص 10-11..

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:22 PM
الوسوسة


من العلاقات الشيطانية التي تكون بين الشيطان والإنسان علاقة الوسوسة؛ فعن طريقها يستطيع الشيطان أن يصل إلى فكرة وقلبه، وقد أخبرنا الله بذلك إذ سماه:}الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ{ [الناس:4 ،5]، والوسواس الخناس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس.



والوسواس [فعلال] من وسوس، وأصل الوسوسة الحركة أو الصوت الخفي الذي لا يحس فيتحرز منه؛ فالوسواس: الإلقاء الخفي في النفس إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من ألقى إليه، وإما بغير صوت كما يوسوس الشيطان إلى العبد.



والوسوسة هي مبدأ الإرادة؛ فإن القلب يكون فارغاً من الشر والمعصية فيوسوس إليه، ويخطر الذنب بباله، فيصور لنفسه ويمنّيه، ويشهيه فيصير شهوة، ويزينها له، ويحسنها له، ويخيلها في خَيال تميل إليه فيصير إرادة، ثم لا يزال يمثل ويمني ويشهي وينسي علمه بضررها ويطوي عنه سوء عاقبتها، فيقع في المعصية.



وبهذه الوسوسة أَضَلَّ الشيطان أبانا آدم عليه السلام، وأغواه بالأكل من الشجرة: }فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ{[الأعراف:19، 22].



والشيطان يوسوس للإنسان حتى في أمر العبادة والطاعة؛ فعن أبي هريرة رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته». متفق عليه.



وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنهما قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلس الشيطان من صلاة أحدكم». رواه مسلم.



وإبليس يتدرج في وساوسه مع ابن آدم في سبع مراتب ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله وهي:

المرتبة الأولى: شر الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله:


فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه، وهو أول ما يريد من العبد، فإذا أجابه صار من دعاه إبليس ونوابه، فإن يئس منه، نقله إلى المرتبة الثانية من الشر.



المرتبة الثانية: شر البدعة:


وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في نفس الدين، وهو ضرر متعد، وهي باب الكفر والشرك؛ فإذا نال منه البدعة صار من دعاته أيضاً، فإذا أعجزه نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر.



المرتبة الثالثة: شر الكبائر على اختلاف أنواعها:


فهو أشد حرصاً على أن يوقعه فيها، فإذا وقع الإنسان في كبيرة جره إلى أخرى، وهكذا حتى يتمادى في العصيان وينسى ربه ويضعف دينه، ويكون جندياً من جند إبليس يدعو إلى الرذيلة، ويحارب الفضيلة؛ فإذا عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الرابعة.



المرتبة الرابعة: شر الصغائر:


وهي الصغائر التي دون الكبائر من الذنوب والمعاصي؛ فإذا اجتمعت أهلكت صاحبها؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه». حديث صحيح.



فالشيطان يوسوس للإنسان حتى يوقعه في صغائر الذنوب ثم الكبائر، وهكذا؛ فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الخامسة.




المرتبة الخامسة: شر الاشتغال بالمباحات:


وهي اشتغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب؛ بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها، فإن أعجزه العبد في هذه المرتبة نقله إلى:



المرتبة السادسة: شر الاشتغال بالعمل المفضول عما هو أفضل منه:


وهو أن يشغله بالعمل المفضول الأقل أجراً ونفعاً عما هو أفضل منه بالأجر والفائدة ليزيح عنه الفضيلة، ويفوته ثواب العمل الفاضل، فيأمره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له إذا ضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه، وقلَّ من ينتبه لهذا من الناس.
فإذا أعجزه العبد في هذه المراتب الست وأعيى عليه انتقل إلى:



المرتبة السابعة:
وهي أن يسلط عليه حزبه من الإنس والجن:

ومن وسوسته لبني آدم أنه يشام النفس؛ حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها؛ قوة الإقدام والشجاعة، أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة؟ فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ في تثبيطه وإضعاف همته وإرادته عن المأمور به، وثقله عليه، وهون عليه تركه، حتى يتركه جملة، أو يقصر فيه ويتهاون به.
وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام وعلو الهمة أخذ يقلل عنده المأمور به، ويوهمه أنه لا يكفيه، وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة.



فيقصر بالأول ويتجاوز بالثاني؛ كما قال بعض السلف: ما أمر الله سبحانه بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر.



فقوم قصر بهم عن الإتيان بواجبات الطهارة، وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة الحد بالوسواس.



وقصر بقوم حتى زين لهم ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم من النكاح فرغبوا عنه بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ما وصلوا إليه من الحرام.
ولقد حذرنا الله من اتباع خطوات الشيطان بقوله: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{[النور:21].



وشرع لنا الاستغاذة منه ومن وسوسته فقال تعالى: }وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{[فصلت: 36]. }مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ{ [الناس:1- 4].



وعلى المسلم أن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله، وليعزم على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم، وأن ما خالفه هو من تسويل إبليس ووسوسته (1)
* * *

([1]) إغاثة اللهفان، ص 205.

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:29 PM
الصحبة السيئة


ومن العلاقات الشيطانية الصحبة السيئة؛ فالشيطان يوسوس للإنسان بأن يصاحب الأشرار، ويبتعد عن الأخيار، ومن ثم تكون العلاقات السيئة مع الآخرين، فيقع الإنسان في الشر ويبتعد عن الخير؛ فالصحبة السيئة تُحسن القبيح، وتُقبح الحسن، وتجر المرء إلى الخنا والرذيلة؛ ذلك أن المرء يتأثر بعادات جليسه وأخلاقه؛ قال صلى الله عليه وسلم : «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة». متفق عليه.



وقال صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». حديث صحيح؛ فالصحبة السيئة تجر المرء إلى فعل القبائح، وإلى ترك الفضائل، وإن كان الإنسان قد تربى تربية حسنة في أسرته؛ خاصة إن كان الأصدقاء في مثل سنه؛ فيعمل عملهم، وإن كان في بداية الأمر يرفضه، فإذا وقع معهم في الأمور الصغيرة، تدرَّجوا به إلى فعل الكبائر؛ فيكون مثلهم، وربما أكثر.



وتلاحظ التأثرات السيئة للصحبة في الجوانب التالية:


1- تعريف الشاب أو الفتاة بأنماط من السلوك والممارسات لم يكن يعرفها في السابق؛ مما يجعله في تفكير مستمر حول ممارستها، وفي صراع نفسي بين رغبة الخير التي تربى عليها ورغبة الشر التي يراها في أقرانه.



2- التشجيع على ممارسة الفساد لكثرة مشاهدته وإلحاحِ وتهوينِ الأمر في عينيه، مثل تهوين أمر السرقة أو الزنا وغيره.



3- قد يجر ذلك إلى الممارسات غير الأخلاقية الجماعية، وهنا يتحول الشاب أو الفتاة من فاسد إلى مفسد ([1]).



تلك آثار الصحبة السيئة، وفي يوم القيامة يكون أثرها أسوأ وأعظم، قال تعالى: }وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا{[الفرقان: 27-29].



من هذه النصوص يتبين الأثر الكبير للصحبة على المتعاقدين عليها، وتنبه الإنسان إلى أهمية الوعي عند اختيار الأصدقاء وتوجهه إلى التمسك بالصالحين الأخيار، ومجانبة الذين يشينون أنفهم ومن لزمهم. ومن الصحبة السيئة أن تكون الصداقة مدعاة للعبث والإسفاف، وفنون الهزل، وضياعاً للأوقات، فهذه الصداقة عامل هدم ووسيلة ضياع.



وهذا هو الواقع لكثير من الشباب اليوم – مع الأسف – لأن جلوسه مع صديقه ورحلاته معه أطول مما يقضيه مع الآخرين غالباً، والمسلم الواعي لأمر ربه، أسمى من أن يضيع أوقاته بالعبث واللامبالاة؛ إن حياة المسلم جد وعمل، والترويح عن النفس والتمتع بالمباح مباح، له بل مشروع إذا قصد به أن تستعيد النفس نشاطها للجد في العبادة، ولكن في حدود المعقول لا يتجاوزها إلى أن يصبح هو الأصل والجد هو الاستثناء.



ومن أمثلة الصحبة السيئة الصداقة بين الرجل والمرأة الأجنبية سواء أكانت المرأة قريبته من غير المحارم أو بنت الجيران، أو بين الزميل وزميلته في الدراسة أو التدريس أو الوظيفة؛ حيث يتزاورون في البيوت، ويسهرون معاً للمذاكرة، ويخرجان معاً للنزهة ([2])، إلى غيرها من الأمور، وقد يأخذها بعضٌ مقام الزوجة في الأنس والتمتع، ونحو ذلك من غير ارتباط، ولا إنجاب أولاد، أو حتى مع إنجاب أحياناً ([3]).



ويعلل البعض هذه الصداقة بأنه حب نظيف، وصداقة بريئة، وكسر لشهوات، وأنها تكسر حدة تعلق النفس بالجنس الآخر إذا كسر الحاجز بينهما، وأن المعاشرة قبل الزواج تقي فشل الزواج بعد قيامه.



وهذا النوع من الصداقة محرم لأنها مخالفة لقوم الله تعالى : }وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ{ [الأحزاب:52]. والمتاع (عام في جميع ما يمكن أن يطلب من المواعين، وسائر المرافق للدين والدنيا)([4])، ويقول الشوكاني: «أدب لكل مؤمن ونذير له من أن يثق بنفسه في الخلو مع من لا تحل له والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه»([5])، ومخالفة أيضاً لقول الله تعالى: }فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا{ [الأحزاب:32].



ولأن الخلوة بالأجنبية حرام، فقد روى ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا يخلو أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم» متفق عليه.



وبسبب هذه الصداقة السيئة زادت الحياة النفسية والاجتماعية تعقيداً، وزرعت الشكوك بين الأزواج، وكثرت بسببها حوادث الزنى والخيانات الزوجية والطلاق([6])، وزاد الجوع الجنسي، وكثرة حالات الاغتصاب بشكل كبير؛ بعكس ما تصوره دعاة الاختلاط والصداقة الكاذبة.



ومن أمثلة الصحبة السيئة موالاة الكفار من يهود ونصارى ومحبتهم وإظهار الود لهم بالأقوال والأفعال، وقد حذرنا ربنا عز وجل من موالاة الكفار ومحبتهم بقول: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{[المائدة:51].


ولا مراء أن هذه الصداقة التي تكون بين المسلم والكافر ستجر إلى أمور عظيمة أخرى ينساق إليها المسلم مجاراة لصديقة الكافر، وهي محرمة في الدين، وقد تكون كفراً وشركاً والعياذ بالله، قال تعالى: } وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{
[البقرة: 109].



ولذا يعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان، قال صلى الله عليه وسلم : «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». حديث صحيح، ولا بد أن يتميز بخصال وصفات يُرغب بسببها في صحبته، وجملتها أن يكون عاقلاً حسن الخلق غير فاسق، قال تعالى: } وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا{
[الكهف: 28].



ولا يقصد من هذا التحذير الانعزال، وترك الناس مطلقاً، والحجر على الأبناء للحفاظ على أخلاقهم وسلوكهم، فهذا مستبعد ويعد سلبية وتشاؤماً؛ إذ إن وجود المرء في بعض الأوقات مع قرناء يعد من العوامل الأساسية والهامة في التربية؛ إذ يتعلم الولد من قرنائه كيف يعامل غيره ([7])، ويتعلم الأخلاق الكريمة مثل الكرم والحلم والصبر، فهذه الصفات وغيرها لا يمكن أن يكتسبها المرء وحده؛ بل لابد من صحبة تبرز هذه الصفات، وجماعة تثري وتزيد فيها، والصحبة مهمة للإنسان لأنها تلبي ثلاث حاجات:
1- الحاجة إلى المشاركة.
2- الحاجة إلى الاحترام.
3- الحاجة إلى التَّفَهُّم والدعم من قبل رفيق حميم ([8]).



إن الصحبة تشبع في النفس حاجات خاصة لا تشبعها علاقاته الأسرية، إن توافر العلاقات الشخصية تولد لدى الإنسان إحساساً بالقيمة والاقتدار والقدرة الحسنة، لذا أمرنا الله بالصحبة وخاصة الصالحين، قال تعالى:}وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا{ [الكهف: 28].



فيكون القصد من التحذير هو حفظ الولد أو الأخ من قرناء السوء الذين يضرونه ويؤذونه، وفي الجانب الآخر ربطه بقرناء الخير من الصالحين الذين يمكن أن ينفعوه ويعينوه على الخير ويحضُّوه عليه([9]).


([1]) العفة ، يحيى العقيلي ، ص 76، بتصرف.

([2]) الصداقة في الإطار الشرعي ، د. عبد الرحمن الزنيدي، ص82.

([3]) المصدر السابق، ص81.

([4]) الجامع لأحكام القرآن ، ج 7 ص 227.

([5]) فتح القدير ، ج 4 ص 298.

([6]) الصداقة ، الزنيدي، ص83.

([7]) مسؤولية الأب المسلم، عدنان باحارث ، ص 226 بتصرف.

([8]) المرجع في مبادئ التربية ، ص 349.

([9]) المصدر السابق، ص226.

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:30 PM
فتنة النساء



إن فتنة النساء أشد من فتنة الحرب والفقر وفتنة المال وفتنة الأولاد، ومن باقي الفتن، لأن أثرها أشد خطراً، ونتائجها أعظم، قال صلى الله عليه وسلم : «ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء». متفق عليه، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم : «الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». رواه مسلم.




وذكر الله عز وجل شهوات الدنيا، فبدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد، قال تعالى :}زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ{
[آل عمران: 14].




فالمرأة فتنة بتبرُّجها، وإبداء زينتها، وكثرة خروجها من بيتها لغير ضرورة، وهي فتنة أيضاً لأنهها قد تحمل زوجها على المعصية.




وهي علاقة شيطانية؛ حيث يفتن الشيطان الرجلَ بالمرأة ويفتن المرأة بالرجل، فتتكون العلاقاتُ المحرمة، وتقع المعاصي والآثام، قال صلى الله عليه وسلم : «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان». رواه الترمذي.




ولا ريب أن المرأة إذا انحرفت عن الصراط السوي وفقدت الرعاية والقوامة، وجرت وراء الشهوات، وانغمست في عالم الموضات، صارت معولَ هدم وفساد وانحلال.




لقد أدرك عدو البشر إبليس أثر هذه الفتنة في إهلاك البشر وإفساد المجتمعات، فعمل على إثارتها، وإشاعة الفواحش في المجتمعات الإنسانية، وهذا ما حذرنا منه ربنا فقال سبحانه: }الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{ [البقرة: 268].




وفي نداء للبشر جميعاً يحذرهم من الوقوع في فتنة الشيطان:
}يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ{ [الأعراف:27].




فعري المرأة وتكشفها هو عمل من أعمال الفتنة الشيطانية، التي من خلاله يغوي الإنسان ويوقعه في الجرائم والآثام.




ولقد نجح عدو الله في تطبيق هذا المخطط؛ نزع اللباس لتحطيم الدين والحياء وإشاعة الفحشاء؛ فالعري الموجود على صفحات المجلات والشاشات، وما يمارس علنًا في دول أوربا وبعض الدول العربية، نتج عنه جرائم خطيرة وضياع تام في صحراء الضلال.




وكم من ضحية ذهبت، وكم من أمراض حدثت كلها بسبب هذا العري الذي يفتن إبليس به بني آدم:} يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ{ [الأعراف:27].




ومن وسائل الشيطان في تزيين الرجل للمرأة، والمرأة للرجل، ليفتنهم ويضلهم، ما يلي:



خروج المرأة من بيتها لغير ضرورة: إلى الأسواق والأماكن العامة، وإلى أماكن الرجال أيضاً بدون حاجة ماسة لذلك، وهذا مخالفة لقول الله تعالى: }وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى....{ الآية [الأحزاب: 33].



فالمرأة إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان ليفتن الناس بها، قال صلى الله عليه وسلم: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان». قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن المرأة لتَخرج من بيتها وما بها من بأس فيستشرفها الشيطان فيقول : إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبْتِه». رواه الترمذي.




ومعنى استشرفها: قال المبارك فوري: أي زيَّنها في نظر الرجال. وقيل: نظر إليها ليغويها ويغوي بها؛ ليوقعهما أو أحدهما في الفتنة.

قال صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة تقبلُ في صورةِ شيطانٍ وتدبرُ في صوُرة شيطانٍ، فإذا أبصرَ أحدكمُ امرأةً فليأتِ أهلهُ فإنَّ ذلكَ يردُّ ما في نفسه». رواه مسلم وأحمد.




قال مجاهد: «إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزينها لمن ينظر، وإذا أدبرت جلس على عَجُزها فزينها لمن ينظر» ([1]).

ومن أساليب الشيطان في إغواء المرأة عند خروجها من بيتها:

*تخرج من بيتها بملابس مغرية : ألبسة جميلة؛ إما قصيرة وإما طويلة ليس فوقها إلا عباءة قصيرة أو طويلة يفتحها الهواء أحياناً وترفعها عمداً أحياناً.




*تخرج بخمار تستر به وجهها، ولكنه رقيقٌ يصف لون جلد وجهها، وأحياناً تشده على وجهها شداً قوياً بحيث تبرز مرتفعات وجهها كأنفها ووجنتيها.




*تخرج لابسة من حلي الذهب ما لبست ، ثم تكشف عن ذراعيها حتى يبدو الحلي، كأنما تقول للناس : شاهدوا ما علي. فتنة كبرى ومحنة عظمى.




*تخرج متطيبة بطيب قوي الرائحة : يفتن كل من في قلبه مرض من الرجال، وقد قال : «إن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي...» كذا كذا. يعني زانية. رواه الترمذي.




*تخرج من بيتها تمشي في السوق مشياً قوياً كما يمشي أقوى الرجال، وتمشي مع صاحبتها وهي تمازحها وتضاحكها بصوت مسموع، وتدافعها بتدافع منظور.




إلى غير ذلك من أسباب الفتنة والخطر العظيم، وقد ورد الوعيد الشديد لمن تظهر مفاتنها للناس، قال صلى الله عليه وسلم : «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا » رواه مسلم.




الاختلاط:

وهو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له في بيوت الأقارب والأصدقاء؛ حيث تجالس الفتاة أو المرأة المتزوجة الرجال الأجانب بحجة الصداقة لزوجها أو للعائلة أو القرابة، وتتزين لذلك بكامل زينتها، وقد تحدث الخلوة أحياناً تحت تلك الثقة وسقوط الكلفة، كما أن الملامسة والمصافحة من مباحات تلك الصداقات، وكم من خطيئة ارتُكبت، وأعراض هتُكت، وأسر تهدمت، من جراَّء هذا الاختلاط، قال صلى الله عليه وسلم : «إياكَم والدخول على النساء». فقال رجل من الأنصار : أفرأيت الحمو؟قال: «الحمو الموت». متفق عليه.




الاختلاط في أماكن العمل وفي أماكن التعليم والدراسة والأسواق سبب من أسباب الوقوع في علاقات آثمة وارتكاب الفواحش، وهذه إحدى القصص المؤلمة، يقول صاحب المأساة:




( بعد عامين من زواجي ألحَّت عليَّ زوجتي بأن تعمل من أجل أن نحيا حياة أفضل، رفضت في بادئ الأمر، وعَمِلَت مربية في أحد معاهد دمشق براتب بسيط جداً، وبعد عام ركب الغرور رأسها طالبة أن تعمل في الوزارات أو مؤسسات الدولة، قنعت بذلك لثقتي بأخلاقها وشدة حرصها على سمعتها وكرامتها ولأنها أم لطفل صغير، ولم تمض بضعة أشهر على عملها في مؤسسة ما حتى حدثت المأساة الخطيرة التي لم تكن في حسابي، ماذا حدث؟




حدث أن طارت الزوجة مع زميل لها في العمل عندما زين لها فكرة الهرب، وسلب رشدها بمعسول الكلام فكان ما أراد.




لقد فرت الزوجة من دارها لتتمتع مع شاب وضيع وسوس لها، فأرادت أن تمرح بالشهوة الرخيصة إلى جانب شيطانها) ([2]).




ويدعي كثير من الناس في هذه الأيام بأن الاختلاط في مقاعد الدراسة هو (الاختلاط البرئ)، وأنه اختلاط مثمر، وهذه الشعارات ما هي إلا ادعاءات باطلة من وجهين:




الوجه الأول: فيها مصادمة واضحة للفطرة التي خلق الله الخلق عليها؛ وهي فطرة التجاذب بين الجنسين وميل الرجل للمرأة، وميل المرأة للرجل؛ فكيف نأمن من الفتنة ووقوع الفاحشة، وخاصة لدى الشباب الذي يسير بعواطف جيَّاشة؟ وفي ظل هذه المجتمعات التي تدعو للفتنة وتهيج الغرائز؟!




والله تبارك وتعالى علل حرمة الاختلاط بين أطهر الرجال وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطهر النساء زوجاته صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين بقوله : } ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ{.




وقد اعترفت إحدى طبيبات الغرب وتدعي (ماريون) فقالت: (وإني أعتقد أنه ليس في الإمكان قيام علاقة بريئة من الشهوة بين الرجل وامرأة ينفرد أحدهما بالآخر أوقاتاً طويلة، وكنت أسأل بعضهن ممن يتَّسمْن بالذكاء: كيف أمكن أن يحدث ذلك؟ أي الوقوع في الفاحشَة؛ فكانت الفتاة تجيبني قائلة: لم أستطع أن أضبط نفسي...!!) ([3]).




الوجه الثاني: التجربة والواقع يصرخان بفشل هذه المقولة، ألا بكفينا ما وصلت إليه الحال في الغرب وفي الدول العربية التي يوجد فيها الاختلاط؟ وإليك أخي الكريم، أختي الكريمة بعض الحقائق:




نسبة الحبالى من تلميذات المدارس الثانوية الأمريكية بلغت في إحدى المدن 48%.




أظهرت دراسة وطنية أمريكية توضح أن الفتيات الأمريكية في التعليم المختلط أقل تحصيلاً من الفتى، وأظهرت الدراسة أيضاً انتشار جرائم الاعتداء الجنسي على الفتيات بشكل واسع من قبل الأساتذة والطلاب، وأن واحدة من كل أربع طالبات في سن الكلية تتعرض للاغتصاب ([4]).




أظهرت دراسات أجرتها الوكالة التربوية الوطنية ( أن الفتيات الأمريكيات في الفصول المختلطة أكثر عرضة للإصابة بالقلق والاكتئاب والتفكير في الانتحار، بل ربما الإقدام عليه)([5]).




تقول المربية الاجتماعية مرغويت سميث: في التعليم المختلط لا تفكر الطالبة إلا بعواطفها والوسائل التي تتجاوب مع هذه العاطفة؛ إن أكثر من ستين بالمائة من الطالبات سقطن في الامتحانات، وتعود أسباب الفشل إلى أنهن يفكرن في الجنس أكثر من دروسهن، وحتى مستقبلهن، وأن 10% ما زِلْن محافظات) ([6]).




وبعد تلك الحقائق، لماذا يصر دعاة الاختلاط على أن نأخذ من الغرب أسوأ ما فيه، ويستميتون في الدفاع عن سلوكيات مجَّها الغرب نفسه، بعد أن دفع ثمنها غالياً...؟ ([7]).




والاختلاط في أماكن الترفية ([8]) والأسواق تُحدث ظاهرةً خطيرة، وهي ظاهرة التعرف السريع والإعجاب من النظرة الأولى، وتبادل أرقام الهواتف وهكذا تبدأ شياطين الإنس والجن بنسج الشباك حول الفتاة المسكينة التي تقدم خطوة وتؤخر خطوة في تجربتها الأولى، ولكن أوهام الشياطين، والكلمات المعسولة، ومع صحبة فاسدة تشجعها، فتبدأ بالتجربة الأولى؛ كلام في الهاتف، ثم موعد خارج المنزل في مكان عام، ثم اللقاء في مكان خاص، فالمصيبة الكبرى والوبال عليها بعد ذلك ([9]).




من نتائج الاختلاط:



قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله : «ولا ريب أن تمكُّنَ النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة» ([10]).




التبرج والسفور:



وهو قرين الاختلاط؛ بل إنه من العوامل المساعدة على ترويح الانحراف وزيادة حدوثه، لذا حرص عدو الله إبليس أن يغوي المرأة بنزع ملابسها، وكشف جسدها، ليفتن الناس بها؛ قال تعالى :}يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا...{ [الأعراف: 27].




والتبرج هو مخالفة لما أمر الله به المرأة من الصون والستر والحجاب، قال تعالى: }وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ{، وقال تعالى:}يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا{[الأحزاب: 59].




ومن مظاهر التبرج والسفور:



*اللباس الفاضح والعاري الذي يكشف عورات المرأة، ويجسدها كما ذكر الحديث : «ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة...» كذا وكذا. رواه مسلم.




*الشعور المستعارة والتسريحات والموديلات في وسائل الزينة والتبرج.




*العطور والروائح الفواحة التي تفتن الرجال، قال صلى الله عليه وسلم : «إن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي...» كذا وكذا؛ يعني زانية. رواه الترمذي.




*ومن صور التبرج رفع الثوب عن الكعبين؛ بل وصل الحال إلى ما فوق الكعبين، ولبس الثياب ذات الكم القصيرة؛ مما يخرج الذراع والعضد أو الصدر والإبط.




*ومن صور التبرج ما تضعه بعض النساء من اللثام على جزء الوجه لتبقى العينان والأنف ظاهرتين، ومن ذلك اتخاذ النقاب الذي زين بالشك والتطريز، مما أصبح فتنة بذاته وتبرجاً.




لحدّ الركبتين تُشمّرِينا



بربّك أيَّ نهرٍ تعبرينا


كأنّ الثوبَ ظلٌّ في صباحٍ



يزيد تقلُّصاً حيناً فحينا




أضرار التبرج والسفور:



إن من أضرار التبرج تسابق النساء المتبرجات في مجال الزينة المحرمة لأجل لفت الأنظار إليهن؛ مما يتلف الأخلاق والأموال، ويجعل المرأة كالسلعة المهينة الحقيرة المعروضة لكل من شاء أن ينظر إليها.




ومنها: فساد أخلاق الرجال، ودفعهم إلى الفواحش المحرمة بأنواعها.




ومنها تحطم الروابط الأسرية، وانعدام الثقة بين أفرادها، وتفشي الطلاق.




ومنها : أنه يخلع حياء المرأة وسترها، ويؤدي بها إلى الرذيلة والفساد.




ومنها انتشار الأمراض : قال صلى الله عليه وسلم : «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا». رواه ابن ماجة.




لذا حرم الله على النساء تقصُّد إثارة الرجال عن طريق التبرج وإظهار الزينة، أو التكسر في المشية، أو الخضوع في القول، وأمر بالستر والاحتجاب، فإن ظهر من بعضهن نشوز وانحراف وتبرج ورغبة في الاختلاط بالرجال، وجب على ولي الأمر منعهن من ذلك بالوسائل المختلفة؛ كالحبس إن احتاج الأمر إليه، فإن اختلاطهن بالرجل أصل كل بلية، وسبب في استنزال عقوبات الله عز وجل ([11]).

* * *

([1]) الجامع لأحكام القرآن ، ج12 ص227.

([2]) العفة، يحيي العقيلي ، ص66.

([3]) المرأة ماذا بعد السقوط، بدرية العزاز.

([4]) مجلة الأسرة ، ع 37ص11.

([5]) المرجع السابق ، ص11.

([6]) العفة ، يحيي العقيلي ، ص 68 بتصرف.

([7]) مجلة الأسرة ، ع 37 ص 10.

([8]) المقصود بأماكن الترفيه : الحدائق والملاهي ، والشواطئ .

([9]) العفة ، يحيي العقلي، ص 66-67.

([10]) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ، ص 281.

([11]) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ، ص 280- 281.

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:30 PM
التبرج المقنَّع


إن أعظم مدخل يدخل به أعداء الدين لإفساد المجتمع هو إفساد المرأة؛ فإذا فسدت المرأة فسد البيت، وإذا فسد البيت فسد المجتمع، وإذا فسد المجتمع فسد الدين وعم الفساد والانحلال، وهي نتيجة حتمية يشهد لها واقع كثير من المجتمعات.



ولقد عمد أعداء هذه الأمة من اليهود والنصارى ومن سار على نهجهم من ألا دين، ودعاة التغريب لسياسة خبيثة في نشر الفساد، بالدعوة إلى السفور واختلاط المرأة بالرجال.



فهم لم يطالبوا بذلك مباشرة، وإنما أرادوا لها كشف عينيها فقط حتى لا تسقط في الطريق!! وتلك البداية ثم قالوا بعد أن بحثوا في الأسفار : لا بأس من أن تكشف المرأة وجهها والدين يسر، ثم قالوا : ولماذا هذا السواد فيما تلبسينه فوق الثياب؟ لم لا تلبسين تلك الكابات أو العباءات المزركشة والمزخرفة؟
أمن أجل تلك الخزات والخيوط الفضية تقوم الدنيا ولا تقعد؟
ثم قالوا: إنك لا تستطيعين حرية المشي في الطريق والثوب ضيق من الأسفل، فما الحل إذاً؟
الحل سهل؛ اجعلي لثوبك فتحة من الأسفل !! ثم قالوا : لماذا هذا السواد أصلاً، البسي حجاباً ملوناً لكن بلون واحد فقط وإياك والتبرج !! ثم لم يزالوا في وساوسهم حتى قُصّرت الثياب وخُلع الجلباب.



بل راحوا يُروجون صوراً مبتدعة من الحجاب على أنها الحل الوسط، به ترضي المحجبة ربها – كما زعموا – وفي الوقت نفسه تساير مجتمعها وتحافظ على أناقتها.



وكانت بيوت الأزياء قد أشفقت من بوار تجارتها بسبب الحجاب الشرعي، فمن ثَمَّ أغرقت الأسواق بنماذج ممسوخة من التبرج تحت اسم الحجاب العصري الذي قوبل في البداية بتحفظ واستنكار، ولكن طائفة من النساء أحرجهن الضغط الاجتماعي - وسببه انتشار الحجاب - هرولن نحو الحل الوسط، ومع مرور الوقت تفشت ظاهرة "التبرج المقنع" المسمى بالحجاب العصري؛ تحسب صويحباته أنهن خير البنات والزوجات، وما هن إلا كما قال الشاعر:

إن ينتسبن إلى الحجاب


فإنه نسب دخيلُ



وهكذا كان الانحراف.. فهل وعيتِ أختي المسلمة كيف يُقتل الحياء وكيف تُسرق العفة:

أرى خللَ الرماد وميض نار





وأخشى أن يكون لها ضرامُ


فإن النار بالعوين تذكى




وإن الحرب مبدؤها كلامُ([1])






وقد أفتى كثير من العلماء بحرمة النقاب؛ منهم الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله، والشيخ صالح الفوزان قال عنه: إنه نوع من أنواع السفور.



وقال الشيخ عبد الله بن جبرين:
«لا شك أن المرأة فتنة لكل مفتون». وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل في النساء». وقال أيضاً: «ما تركت فتنة هي أضر على الرجال من النساء». ولذا أمر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: }وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى{. مع نزاهتهن وبعدهن عن التبرج، والأمر لنساء المؤمنين؛ كقوله تعالى : }يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ{. والجلباب هو الرداء الذي يستر بدنها كله، ولا شك أنها مأمورة بالستر بحيث لا تكون محل مد الأنظار نحوها وتقليب الأحداق، ومعلوم أنها متى لبست هذا النقاب وظهر جزء من وجهها كالجبين والأنف والوجنة فذلك أدعى أن تلتفت الأنظار نحوها؛ مما يستدعي متابعتها وإساءة الظن بها؛ فعلى المرأة أن تخشى الله وتبتعد عن مظنة السوء وعن الشرور والمنكرات، وتحفظ نفسها، وتصون عرضها، وتحذر من العقوبة بسبب هذا الفعل»([2]).


أخي الكريم.. أختي الكريمة:
ومن أجل فتنة النساء شرع لنا ربنا عز وجل الإجراءات الكفيلة لحماية الرجل من الوقوع في فتنة المرأة؛ منها:



1- عدم الدخول على النساء الأجنبيات؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم : «إياكم والدخول على النساء». فقال رجل: يا رسول الله ! أرأيت الحمو؟! قال: «الحمو الموت». متفق عليه. وعن جابر بن عبد الله قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلجوا عَلى المُغيبات، فإن الشيطان يَجري من أحدكُم مَجرى الدم». قُلنا : ومَنك يا رسول الله قال : «وَمنِي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم». رواه الترمذي وأحمد.



وقال صلى الله عليه وسلم : «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما». رواه الترمذي.



2- النهي عن اختلاط الرجال بالنساء؛ فعن أبي أسيد مالك بن ربيعة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق : «استأخرْن؛ فليس لكن أن تحقّقن الطريق؛ عليكن بحافات الطرق؛ فكانت المرأة تلصقُ بالجدار، حتى أن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به». رواه أبو داود وهو حديث صحيح.



3- غض البصر عن النساء؛ قال صلى الله عليه وسلم: «يا علي: لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنها لك الأولى، وليست لك الأخرى». رواه أحمد وأبو داود والترمذي.



وروى مسلم والترمذي عن جرير رضي الله عنه، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة، فقال: «اصرف نظرك».



فغض البصر هو أساس العلاج؛ لأن المسألة في أولها، وهو أهون شيء في البداية؛ فإنه إذا سده سهل بعد ذلك انحصار الأمر.
قال العلا بن زياد: لا تتبع بصرك رداء امرأة؛ فإن النظرة تجعل في القلب شهوة.
وفي معنى النظر وصفُ المرأة حتى كأنه ينظر إليها، ولذلك نهينا عنه فقال: «لا تُباشرُ المرأةُ فتنعتَها لزوجها كأنهُ ينظرُ إليها». رواه البخاري والترمذي وأحمد.



4- أن الرجل إذا رأي امرأة فأعجبته، فإن كان له زوج أتاها مباشرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فَلْيأت أهله؛ فإن ذلك يرد ما في نفسه». رواه مسلم.



وأما الأعزب، فيستعين بالصبر والصلاة، والصيام، فإنه من أسباب تقليل الشهوة.



5- عدم الذهاب إلى أماكن الفتنة والتعرض لها، والامتناع عن المحرم إذا دُعي إلى ذلك كما فعل يوسف عليه السلام: }وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ{
[يوسف: 23].



وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ حيث ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم: «... ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين». متفق عليه.
وعلى المسلم إذا تعرضت له المرأة، وكثير من النساء اليوم هي التي تتعرض لرجل، وربما هي التي اتصلت، وهي التي تأتي بالإشارات الداعية لذلك، أن يفعل كما فعل العابد جريج؛ فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى ابن مريم، وصاحبُ جريحٍ، وكان جريحٌ رجلاً عابداً فاتخذَ صومعةً، فكان فيها فأتتهُ أمهُ وهوَ يصلي فقالت: يا جريجُ! فقال: يارب! أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته فانصرف؛ فلما كان من الغد أتته وهو يُصلي فقالت: يا جريج! فقال: يارب! أمي وصلاتيِ. فأقبل على صلاته فاَنصرف، فلما كان من الغد أتتهُ وَهوُ يُصلي فقالت: يا جُريجُ! فقال : أي رب! أمي وصلاتي. فأقبل علَى صلاتهِ فقالت: اللهُم لما تُمتِهُ حتى ينظُرَ إلى وُجُوهِ المومسات. فتذكر بَنُو إسرائيل جُريجاً وعبادتهُ، وكانت امرأة بغي يُتمثَّلُ بحُسنِهَا فقالت: إن شئتم لأفتننَّه لكُم. قال: فتعرَّضت لهُ فلم يلتفت إليها، فأتت راعياً كان يأوي إلى صومعته فأمكنتهُ من نفسها، فوقع عليها فحملت، فلما ولدت قالت: هُوَ مِنْ جُريج، فأتوهُ فاستنزلوهُ وهدمُوا صومعتهُ وجعلُوا يضربونهُ، فقال: ما شأنكُم؟ قالوا: زَنَيْتَ بهذه البغي فولدت مِنكَ. فقال: أين الصبي؟ فجاُؤوا به، فقال: دَعُوني حتى أصلي. فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال: يا غُلاَم! مَنْ أبُوكَ؟ قال: فُلانٌ الراعي. قال: فأقبلُوا على جُريج يقبلونهُ ويتمسحُونَ به، وقالُوا : نبني لك صومعَتكَ من ذهب. قال: لا، أعيُدوها منْ طين كما كانت ففعلوا». رواه مسلم. والشاهد قوله: «فلم يلتفت إليها».



6- التأمل في مسألة الفاحشة، وأنها من أقبح الذنوب؛ قال تعالى: } وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا{
[الإسراء: 32]، وقال عز وجل: } وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا{[الفرقان: 68،69].



وبعض الزنا أفحش من بعض؛ فمن أفحش الزنا بالمحارم، ومن أفحشه أن الرجل يزني بزوجة الرجل؛ أي المتزوجة؛ بما في ذلك من اختلاط الأنساب، وإفساد فراشه عليه، والزنا بحليلة الجار أعظم إثماً من الزنا ببعيدة الدار؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : «سألتُ أو سُئلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك». قُلتُ : ثُم أي؟ قال: «ثم أن تَقتُلَ ولدك خشيةَ أن يطعَم معك». قُلْت : ثم أي؟ قال: «أن تُزاني بحليلة جارك». قال: ونزلت تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: } وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ{. رواه البخاري ([3]).



7- يمكن ترك الوقوع في الفاحشة في اللحظات الأخيرة عندما يتذكر عقوبة الله، ومن أمثلة ذلك صاحب الغار؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «انطلق ثلاثةُ رهطٍ ممن كان قبلكمْ حتى أووُا المبيت إلى غار فدخلوهُ، فانحدرت صخرةٌ من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنهُ لا يُنجيكُمْ من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكُمْ. فقال رجلٌ منهمُ: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكُنتُ لا أغبقُ قبلهمَا أهلاً ولا مالاً، فنأى بي في طلبِ شيء يوماً فلم أرحْ عليهما حتى ناما، فحلبتُ لهما غبُوقهُما فوجدتهمَا نائمين وكرهتُ أن أغبق قبلهُما أهلاً أو مالاً، فلبثتُ والقدحُ على يدي أنتظرُ استيقاظهُمَا حتى برق الفجرُ فاستيقظا فشربا غبوقَهُمَا، اللهم إن كُنْتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنا ما نحنُ فيه من هذه الصخرة. فانفرجتْ شيئاً لا يستطيُعون الخُرُوج». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وقال الآخرُ: اللهم كانت لي بِنْتُ عم كانت أحب الناس إليَّ فأردتُها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنةٌ من السنين فجاءتني فأعطيتُها عشرينَ ومائة دينار على أن تُخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرتُ عليها قالت: لا أحل لك أن تَفُض الخاتم إلا بحقه، فتحرَّجتُ من الوقُوعِ عليها فانصرفْتُ عنها وهي أحب الناس إلىّ، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كُنتُ فعلتُ ابتغاءَ وجهك فأفرج عنا ما نحنُ فيه. فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيُعون الخروج منها». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وقال الثالثُ: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجُل واحد ترك الذي لهُ وذهب فثمرتُ أجرهُ حتى كَثرتْ منهُ الأموالُ، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله! أدِّ إليَّ أجري. فقلتُ لهُ: كل ما ترى من أجركَ من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله! لا تستهزئ بي. فقلتُ: إني لا أستهزئ بكَ. فأخذهُ كلهُ فاستاقهُ فلم يتركُ منه شيئاً؛ اللهم فإن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرُج عنا ما نحنُ فيه. فانفرجت الصخرةُ فخرجُوا يمشُونَ». متفق عليه.
فهو بعد أن أوشك على فعل الفاحشة تركها مخافة الله تبارك وتعالى؛ فيمكن ترك فعل الفاحشة ولو في اللحظات الأخيرة.



8- تذكر ما أعد الله للصابرين عن الحرام في الدنيا، وأنه من صبر عن الوقوع في الحرام عوَّضه الله في الجنة من الحور العين، وتذكر أن من وقع في نساء الدنيا بالحرام ولم يتب حرمه الله الحور العين في الجنة؛ كشارب الخمر ولابس الحرير في الدنيا لم يتب؛ فإنه يحرم في الجنة.
* * *

([1]) الهاربات إلى الأسواق، عبد الملك القاسم، ص 40-42 .

([2]) مجلة الدعوة ، ع 1556 ، 1417 هـ ص 36.

([3]) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ، ابن القيم الجوزية ، ص 206-209..

SeIfElLaH
10-12-2015, 08:20 PM
المعاكسات
إن من حيل الشيطان اللعين في هذا العصر أن أوجد علاقة آثمة بين الرجال والنساء، وهي علاقة الهاتف (المعاكسة)؛ وهي سبيل شيطاني يدمر به بيوتاً بأسرها، ويجر بعض الشباب والفتيات إلى مهاوي الرذيلة.

إن بداية المعاكسات بدايتها اللهو المحرم، ونهايتها الفضيحة وهتك الأعراض.

إن المعاكسات لا تكون إلا من رجل ضعيف الإيمان قليل الحياء عديم الغيرة على نساء المسلمين؛ فيتصل على البيوت مستغلاً غيبة الراعي؛ ليتخذ فرصةً؛ علَّه يجد من يستدرجه إلى سفالته.

ويستغل ذالك المجرم المتلثم بسماعة الهاتف ضعف المرأة ليحكي لها نزاهته وعفته وبراءته؛ بل ونصحه لها و....، إلى أن تصدق تلك المسكينة؛ لتنقاد إليه ومعه، ولو بعد حين.

إن المعاكس لم يصل إلى هذه المرحلة إلا بعد اتصافه بالصفات الخبيثة الدنيئة، جعلته يتحدث مع فتيات أجنبيات خاضعات القول، يتحدثان بفاحش القول ورديئة وبذيئة.

أو يكون من فتاة قد ضعف إيمانها، وقل حياؤها، وغاب الرقيب عنها، فانجرفت وراء الكلام المزيف الجميل الذي يجرها إلى الهاوية.

أختي المسلمة: أتدرين ما المعاكسة؟ إنها البوابة الأولى إلى حظيرة الزنا.

أختي الفاضلة: أتدرين ما الفاحشة؟ إنها لذة ساعة وحسرة إلى قيام الساعة.

أختي المسلمة: ماذا يريد منك المعاكس وهو يستدرجك إلى اللقاء، ويزين لك حلاوة اللقاء، ويغريك بالزواج؟! إنه يريد أن يقضي منك حاجته ثم يرميك، ثم لا يبالي هو في أي وادٍ تهلكين.

أختي المسلمة: ليست الفتاة كالفتى؛ إذا انكسرت القارورة فلا سبيل إلى إعادتها، تشتركان في لذة ساعة، ثم ينسى هو وتظلين أنت أبداً تتجرَّعين غصصها، يمضي يفتش عن مغفلة أخرى يسرق منها عرضها، وينوء بك أنت ثقل الحمل في بطنك والهم في نفسك.

وقد سُئل أحد الذين يقومون بالمعاكسات: هل ترغب بالزواج بمن تُعاكسها بالهاتف؟ فأجاب : لا، ولا بالعائلة التي هي منها؛ لأنها خانت ربها، ودينها، وأهلها، فكيف آمن أن لا تخون زوجها؟!

أخي المسلم... أختي المسلمة: إن من أبرز مظاهر خطورة العبث المقيت بالهاتف: أن يجعل الشاب من المكالمات خطوة أولى يتبعها خطوات أخرى؛ فيبدأ بتسجيل المكالمات التي يكون فيها كثير من التجاوزات؛ حينها ينقلب إلى أسد كاسر ضار يهددها بفضيحتها وبنشر ذلك والتسجيل بين أقاربها وذويها، وبعد ذلك يبدأ مسلسل التهديدات إن لم تستجب له لكل ما يطلب.



فإن كانت الفتاة ضعيفة فسترضخ تحت وطأة التهديد وستجيبه لكل ما يريد، حتى وإن كان عرضها، وأما إن كانت قوية الإرادة مدركة لعواقب الأمور، فإنها ستتركه، وستترك هذا العمل كله؛ لأنها ترى أنها وإن زلَّت بها القدم خطوة واحدة فإنها يجب أن لا تزل بها القدم خطوات أكثر خسارة إلى الهاوية؛ لأنها تعلم أن الشيطان إذا ظفر بخطوة واحدة فإنه يريد الأخرى؛ ليتدرج العبد في المعصية، ولذلك فقد نهينا عن اتباع خطوات الشيطان؛ إذ يقول الله تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ....{ الآية [النور:21].



وقد نهينا أيضاً عن قرب الزنا، فقال عز وجل : } وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا{ [الإسراء: 32].



ولفظة القرب لها معان أكثر من لفظة الوقوع في الزنا؛ لأن النهي عن قرب الزنا يدخل فيه النهي عن النظرة المحرمة، وسماع الكلام المحرم، والخلوة من المرأة الأجنبية، وسماع الأغنية التي تدعو إلى الفاحشة... إلى آخره ([1]).



نتائج المعاكسات:


لا يشك أحد بأن الهاتف من المخترعات النافعة والمفيدة؛ حيث سهَّل الاتصالات بين الناس في أنحاء العالم، ويمكن عن طريقة قضاء المصالح والأعمال، واختصار كثير من الأوقات؛ ولكن وجد من استغل هذا الهاتف بما حرم الله؛ من مضايقة المسلمين، والعبث بمحارمهم، دون خوف من الله وعقابه.



وإن من أخطر نتائج العلاقة بالهاتف هو هتك الأعراض؛ فإن المعاكس لا يريد من الفتاة إلا أعز ما تملك وهو عرضها؛ فهو يبدأ معها بالكلام الجميل المعسول ليستدرجها إلى ما يريد.


وإليكم هذه الحادثة: (التقت معه في السوق؛ كان يلاحقها بنظراته، ويتبعها من مكان إلى مكان – طبعاً لا محرم معها – متزينة متعطرة كاشفة عن يديها وأقدامها، ألقى إليها برقم هاتفه فاتصلت به، وعرف منزلها واسمها، وبعد عدة مكالمات أغراها واستطاع أن يستدرجها ويأخذها حيث الخزي والعار، قتلت نفسها بخنجر مسموم يسمى سماعة الهاتف) ([2]).



وهذه حادثة أخرى:
(قالت وهي تذرف دموع الندم: كانت البداية مكالمة هاتفية عفوية، تطورت إلى قصة حب وهمية، أوهمني أنه يحبني وسيتقدم لخطبتي، طلب رؤيتي، رفضت، هددني بالهجر، بقطع العلاقة!! ضعفت، أرسلت له صورتي مع رسالة وردية معطرة!!
توالت الرسائل، طلب مني أن أخرج معه، رفضت بشدة، هددني بالصور، بالرسائل المعطرة، بصوتي في الهاتف، وقد كان يسجله، خرجت معه على أن أعود في أسرع وقت ممكن...
لقد عدت ولكن، عدت وأنا أحمل العار...
قلت له : الزواج... الفضيحة... قال لي بكل احتقار وسخرية: إني لا أتزوج فاجرة، إني لا أتزوج فاجرة...) ([3]).
فيا أيها العابث بحرمات المسلمين: اتق الله، واعلم بأن الله لك بالمرصاد، وأعلم أنك سترى ما تفعله ببنات وأعراض المسلمين في أختك وزوجتك وقريبتك؛ فالجزاء من جنس العمل.



إن الزنى دين فإن اقترضته






كان الوفا من أهل بيتك فاعلم













وهذه قصة وقعت في أيامنا هذه:
(إنه في إحدى الليالي قُبِض على شاب مع فتاة، وقد غررَّ بها وهددها... حتى خرجت معه وفعل بها الفاحشة.
وتم الإجراء المناسب بحقهم، وبعد مدة تزيد عن ستة أشهر قبض على شاب مع فتاة، وتم استدعاء ولي أمرها... فإذا ولي أمرها هو الشاب الذي قبض عليه قبل ستة أشهر) ([4]).
نعوذ بالله من العار ومن خزي أهل النار.



يا هاتكاً حرم الرجال وتابعاً






طرقَ الفساد فأنت غير مُكرمِ




من يزنِ في قومٍ بألفي درهم






في أهله يُزنى بربع الدرهمِ













ويا أيتها الفتاة! احذري أن تتخلَّي عن طهارتك وعفتك لتصبحي ضالة مرذولة كأولئك الساقطات اللائي عبثت بها الأهواء والشهوات، فتركتهن غارقات في وحل المعصية والرذيلة.



إن فاحشة الزنا من أقبح الفواحش؛ قال تعالى: }وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا{ [الإسراء: 32]، وقال عز وجل : }وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا{ [الفرقان: 68-69].



وفي صحيح البخاري أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل وميكائيل قال: «فانطلقنا فأتينا على مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع فيه لغط وأصوات». قال: «فاطلعنا فيه فإذا رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم؛ فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا – أي صاحوا من شدة حره – فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني؛ فهذا عذابهم إلى يوم القيامة». هذا العذاب في القبر.



وروى الإمام أحمد والطبراني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ذنب بعد الشرك بالله أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في فرج لا يحل له». وعن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ، ولا يسرقُ حين يسرق وهو مؤمنٌ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمنٌ، والتوبةُ معروضةٌ بعدُ». متفق عليه. نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة.



ومن النتائج ذهاب الغيرة، حتى لا يستقبح الذنوب ولا يبغضها؛ لأن أشرف الناس أعلاهم همة وأشدهم غيرة على نفسه وخاصته وعموم الناس.



وكثير من العابثين بالهاتف لا يقتصر على عدم الاستقباح؛ بل يحسن الفواحش والظلم لغيره، ويزينه له ويدعوه إليه، ويحثه عليه، ولهذا كان الديوث من أخبث خلق الله، والجنة حرام عليه. والديوث : الذي يقر الخبث في أهله.



ومن لا غيرة له لا دين له؛ إذ الغيرة تحيي القلب، فتحيا له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ما أحد أغير من الله، ومن غيرته حَرَّمَ الفواحش ما ظهر منها وما بطن ». متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم : «إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه». متفق عليه.

([1])كتاب العبث المدمر ، عبد الله بن صالح السالم ، ص 20-22 بتصرف.
([2]) كتاب تحذيرات وإشادات للمسلمات ، محمد الدوسري ، ص17.
([3]) الهاربات إلى الأسواق ، عبد الملك القاسم ، ص 72.
([4]) المرجع السابق، ص 83.

SeIfElLaH
10-12-2015, 08:24 PM
ومنها قسوة القلب بسبب المعاصي، ومنها إشغال الهاتف لفترة طويلة، وضياع الأوقات والساعات الطويلة في الكلام المحرم، وقتل الحياء والفضيلة.
فالهاتف هو البوابة التي بعبر منها المجرمون لقضاء حوائجهم في كل بلد من بلدان العالم...([1]).



سبل الوقاية والعلاج:
يجب أخذ سبل الوقاية قبل أن يقع الرجل أو المرأة في شراك الشيطان وحيله، فيقعون في العلاقة الآثمة (المعاكسات)، ومن سبل الوقاية:



1- ضرورة تربية الأبناء على مراقبة الله عز وجل في السر والعلن والسراء والضراء، حتى إذا غاب الرقيب بقيت رقابة الله عز وجل حية في القلوب تمنع من الوقوع في مثل هذه الأعمال القبيحة، وإذا وفُقّ الأب لأبناء يراقبون الله ويخشونه حق الخشية فهو في مأمن عظيم من تلك الفتنة.






إذا خلوت الدهر يوماً فلا تَقُلْ





خلوْتُ ولكن قل عليَّ رقيبُ




ولا تحسبنَّ الله يغفلُ ساعةً






ولا أنَّ ما تُخفي عليه يغيب













2- القناعة بأن لذة المعصية ساعة، ثم يعقبها حسرة، واللذة المحرمة ممزوجة بالقبح حال تناولها، مثمرة للألم بعد انقضائها.






تفنى اللذاذةُ ممن نال صفوتَها






من الحرام ويبقى الذلُ والعارُ




تبقى عواقبُ سوء لا مصيرَ لها






لا خيرَ في لذةٍ من بعدها النارُ













زدْ على ذلك عذاب القبر وعذاب يوم القيامة إذا لم يتب العبد منها.



واسَوأتا لفتى له أدب






يَضْحَى هواهُ قاهراً أدبَه




يأتي الدنيةَ وهو يعرفها






فيشينُ عرضاً صائناً أربَه




فإذا ارعَوَى عادت بصيرتُه






فبكى على الحين الذي سُلِبَه













3- حفظ الجوارح عن المحرمات والمنكرات؛ قال تعالى: } قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ{[النور:30، 31].



4- أن يبتعد الشاب عن الخلوة والوحدة؛ لئلا ينفرد به الشيطان ويغويه في الوقوع في مثل تلك الأعمال، وأن لا تترك البنت وحدها في المنزل بحجة عدم الرغبة بالذهاب مع الأسرة؛ فقد يسوِّل لها الشيطان أمر سوء، أو تكون متواطئة مع أحدهم، والعياذ بالله.



5-عدم خروج الفتاة مع السائق دون محرم إلى الأسواق أو الأماكن العامة، وعدم إيصالها إلى السوق أو الأماكن العامة وتركها وحدها؛ لأنها عرضة للمعاكسات ومضايقة الرجال، والتحرش بها؛ فقد يغوونها بالركوب معهم، أو الاتصال بينهم عن طريق الهاتف.



6- التقليل من نقاط الهاتف في المنزل – قدر الإمكان؛ بحيث لا ينفرد الأبناء بالهاتف في غرفهم، أو وضع جهازين للهاتف؛ بحيث يكون أحدهما لدى الأب والآخر في مكان الجلوس.



7- الحذر من أن تسترسل المرأة في الكلام مع الرجال الأجانب عنها، بل ومع محارمها بما تنكره الشريعة وتأباه النفوس ويُحدث في نفس السامع علاقة، ولتحذر أيضاً رفع الصوت عن المعتاد، وتمطيط الكلام ([2])، وتحسينه وتليينه، وترخيمه بالنبرة اللينة واللهجة الخاضعة.



8- وعلى الرجل الراعي لأهل بيته أن يُرتب أموره على الستر والتصون وحفظ المحارم؛ فلا تكون المرأة هي أول من يبادر إلى إجابة الهاتف مع وجود أحد من الرجال، ولا تجيب في حال غيابهم في كل حال من الأحوال؛ بل حسبما يوجهها به ولي أمرها، وعليها السمع والطاعة في المعروف ([3]).



العلاج:
يكون العلاج في الجملة بوسيلتين:



الأولى: الترهيب من خطر تلك المشكلة ونتائجها العكسية.
الثانية: الترغيب فيما أعده الله للمتقين المبتعدين عن موارد الرذيلة ومشارب الضلال الذين فَضلوا وعد الله على وعود الشيطان وأحابيله الكاذبة للمتبعين أهواءهم ويمنيهم : } وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا{ [النساء: 120].



وعلى الآباء متابعة الأبناء متابعة دقيقة في التعرف على نوعيات أصدقائهم، وإلى أين يذهبون؟ وماذا يقرؤون ؟ وما نوعية المتصلين والمتصلات بالهاتف الذين يطلبون الأبناء.



وماذا يعني انطواء الشاب أو الفتاة في الغرفة الخاصة الساعات الطويلة مع انشغال الهاتف؟
وهل نسمح للفتاة بأن تتصل بمن شاءت من زميلاتها و... دون أن نحاسبها، ونسألها؟
وهل نسمح للبنت أن تذهب مع السائق ليتمشى بها، أو لتذهب إلى السوق أو لزيارة زميلة لها دون مراقبة دقيقة.
إننا لا ندعو إلى الشك المطلق في الأبناء؛ سواء علمنا عنهم شيئاً أم لم نعلم، وسواء كانوا من أهل الصلاح أم من غيرهم، وبالمقابل فإننا لا ندعوا إلى التجاهل المطلق.
إن كثيراً من الآباء وأولياء الأمور هداهم الله مفرطون غاية التفريط في حل تلك المسؤولية العظيمة الملقاة على عواتقهم ([4]).



قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا...{ الآية [التحريم: 6]، وسوف يُسألون عنها يوم القيامة بين يدي الله عز وجل؛ قال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته: الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته». متفق عليه.



وعلى الأم مسؤولية كبيرة في تربية بناتها على الحياء والستر، وتربيتهن على عدم رفع سماعة الهاتف؛ حتى لا يتعودن على محادثة الرجال وسماع أصواتهم؛ فتتكون العلاقات الآثمة، وأن تحذرهن من الذئاب البشرية الذين يستغلون الهاتف لاستدراجهن إلى الرذيلة والفجور.



ومن وسائل العلاج تزويج الفتيات والشباب في أوقات مبكرة من أعمارهم؛ صيانة للأمة من أن تتفشى فيها الأدواء القاتلة.
والزواج هو البلسم الشافي لكثير من مشكلات الزواج؛ قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا معشر الشباب! من استطاع الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصرِ، وأحصنُ للفرجِ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنهُ لهُ وجاءٌ». متفق عليه.



ومنها إشغال وقت الشاب والفتاة بما هو مفيد، مثل القراءة، وسماع الأشرطة النافعة، ومجالسة الصالحين، وأن تشغل الفتاة وقتها بأعمال البيت المختلفة.



ومن وسائل العلاج نصح من يعاكس؛ سواء من الشباب أو من الفتيات، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولو أن كل واحد فعل ذلك لم يوجد من يعاكس لا عن طريق الهاتف ولا في الأسواق والشوارع؛ قال الله تعالى: } كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ{ [آل عمران: 110].



ولكن إذا وقعت الفتاة في مشكلة تهديد المعاكس، ما هو العلاج ؟
علاج مشكلة الفتاة التي تقع تحت تهديد ذلك المعاكس الخبيث بعد توبتها إلى الله ورجوعها إليه وإقلاعها عن ذلك النتن من العلاقات السيئة - حين تقع تحت تهديده بأن يفضحها بنشر التسجيل الذي سجله خفية من المكالمات بينهما، أو بنشر الصور التي أعطتها له حين إغواء الشيطان لها حين يوجد مثل هذا الأمر - فإن من الأفضل لها أن تعرض مشكلتها على من تثق به بإيجاد حل بشرط عدم الفضيحة؛ كأن تثق بأحد إخوانها أو أخواتها، أو بمعلِّمتها الصالحة، أو بإحدى الأخوات الداعيات، ولتعلم كل من وقع في هذه المشكلة أن الذين يقومون بالمعاكسات أصحاب شهوات ضعاف لا يواصلون الاتصال إذا وجدوا العزم الأكيد من قِبَلِ الفتاة في عدم الحديث معهم.



وَلْتَثق الفتاة أن المعاكس لا يستطيع عمل خطوات جريئة؛ لأن صاحب المعصية ذليل، ولخوفه من العار والفضيحة على نفسه، بل ولخوفه من الجهات المسؤولة أو من ذوي أمر الفتاة، وعلى الفتاة أن تدعو الله بأن يصرف عنها كيده ويرده في نحره، وهو القادر على ذلك سبحانه وتعالى.



أخي الكريم:



سعيد ذلك البيت الذي تحت قوامه راع عاقل بصير، غير فظ وغليظ، موفق بحسن التدبير وضبط الأهل من زوجة وولد، ومَنْ تحت رعايته في ظل الشرع المطهر، وقد لقنهم آداب الهاتف، ونشَّأ أولاده على ذلك، فأصبح لديهم من الأدب الموروث.



ومسكين صاحب البيت "المشبُوه" هاتفه في الدار مبثوث واقع في كف كل لاقط من بنين وبنات، وكبار وصغار، إذا دق جرس الهاتف لقطه أكثر من واحد ([5]).
* * *

([1]) العبث المدمر ، عبد الله بن صالح السالم ، ص55.
([2]) أدب الهاتف، الشيخ بكر أبو زيد ، ص17.
([3]) المصدر السابق ، ص18.
([4]) العبث المدمر ، عبد الله بن صالح السالم ، ص 78-79.
([5]) أدب الهاتف ، الشيخ بكر أبو زيد ، ص 22.

SeIfElLaH
10-12-2015, 09:23 PM
العشق الشيطاني
ومن مكايد الشيطان ومصايده: العشق؛ أو ما يسمى بالتعلق والإعجاب، وهو: الإفراط في المحبة؛ تتركز فتنته – غالباً – على الشكل والصورة، أو انجذاب مجهول السبب؛ لكنه غير متقيد بالحب لله؛ سواء كان المعشوق من الرجال أو النساء.



هذه الصداقة صداقة فاسدة؛ لفساد أساس الحب فيها؛ بعدم انضباطها بضوابط الشرع، والعشق رغم سهولة بداياته إلا أن نهايته انتكاس للعاشق، وخروج عن حدود الشرع، ولهذا كان بعض السلف يستعيذ بالله من العشق؛ فهو إفراط في الحب في أوله، وهو عبودية للمعشوق في نهايته تضيع معها عبودية العبد لله ([1]).



وإن سقوط الشاب أو الفتاة في شباك العشق لهو من أخطر الأمور؛ إذ إن الهوى من صفاته أنه يهوى بصاحبه، وإذا ما استحكم في القلب سيطر على العقل والفكر، وهنا يقع الإنسان في عبودية هواه؛ قال تعالى : } أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا{. [الفرقان: 43].



مظاهر الإعجاب (العشق):
إن من أبرز مظاهر الإعجاب هو تعلق القلب بالمعشوق؛ فلا يفكر إلا في محبوبة، ولا يتكلم إلا فيه، ولا يقوم إلا بخدمته، ولا يحب إلا ما يحب، ويكثر مجالسته، والحديث معه الأوقات الطويلة من غير فائدة ولا مصلحة، وتبادل الرسائل، ووضع الرسومات والكتابات في الدفاتر وفي كل مكان، ويقوم بالدفاع عنه؛ بالكلام وغيره، ويغار عليه، ويغضب إذا تكلم مع غيره أو جلس معه.



أسباب الإعجاب (العشق):
إن من أهم أسباب الوقوع في الإعجاب المذموم والعشق الشيطاني هي:



1- ضعف الإيمان، وخلو القلب من حب الله ورسوله؛ فإن العشق يتمكن من قلب فارغ؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسولهُ أحب إليه مما سواهما، وأن يُحب المرء لا يحبهُ إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكُفر كما يكرهُ أن يُقذَفَ في النارِ». متفق عليه.



2- فقدان العاطفة والحنان في محيط البيت - وخاصة من الأبوين - وتفكك الأسرة؛ فيبحث الابن أو البنت عمن يجد عنده ما فقده في البيت؛ وخاصة أولئك الذين يعانون نقصاً في المحبة، ويعيشون الحرمان؛ فهم يستسلمون بسرعة إلى ما يُظهره الآخرون من عشق ومحبة؛ هذا الحرمان يكون سبباً في سرعة انخداعهم ووقوعهم في وحل العشق الشيطاني.



3- ضعف الشخصية، وعدم وجود القدوة الصالحة التي يقتدى بها.
4- الفراغ؛ فإن الوقت إذا لم يُشْغَلْ بالطاعة أشغل بالمعصية؛ فيكون الجلوس والحديث الطويل الذي يؤدي إلى التعلق والعشق.
5- التقليد الأعمى للغير؛ فقد تكون البداية مجرد تقليد لأصدقاء السوء.
6- المبالغة في المظهر والزينة؛ سواء من الشباب أو الفتيات؛ مما يؤدي إلى الإعجاب ومن ثمَّ إلى العشق.



مخاطر الإعجاب (العشق):



إن للإعجاب (العشق) مفاسد دينيةً ودنيويةً؛ وذلك من وجوه:
أحدهما: الاشتغال بذكر المحبوب عن حب الله تعالى وذكره؛ فمن المعلوم أنه لا يجتمع مع الله حب: } وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ{ [البقرة: 165]؛ لذا فإن العاشق لا يجد حلاوة الإيمان التي من شروطها: «أن يكون الله ورسوله أحب مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله». متفق عليه.



ولا يأمن العاشق أن يجره ذلك إلى الشرك كما جر ذلك الشاعر الخاسر حين قال:



وَصْلك أشهى الى فؤادي






من رحمة الخالق الجليل













نعوذ بالله من الخسران المبين.
الثاني: العذاب والحسرة والشقاء؛ لتعلُّق قلبه بمعشوقه؛ وهذه من العقوبة الدنيوية قبل الأخروية؛ فمن أحب شيئاً غير الله عُذِّب به، وفي الآخرة يتبرأ بعضهم من بعض؛ قال تعالى: } وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ{[البقرة: 165-167].



الثالث: ستر العيوب أو تجاهلها؛ فحينما تصل المحبة العادية مرحلة التعلق والعلاقات القوية المتأصلة يظهر فيها أثر ستر العيوب وحجبها بصورة عجيبة؛ حتى يصل الوضع أن يواجه كل من يقدم نصيحة لهذا الشخص بالرد العنيف، ويضمر حقده في قلبه؛ لكن عندما ينقطع هذا العشق يكون الندم والحزن.
الرابع: أنه يشتغل به عن مصالح دينه ودنياه.



الخامس: فساد الحواس؛ ذلك مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب». متفق عليه.



فإن القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان؛ فيرى القبيح حسناً.
السادس: أنه قد يؤدي إلى ارتكاب الفواحش كالزنا واللواط؛ لأن الفواحش أصلها المحبة لغير الله؛ سواء كان المطلوب المشاهدة أو المباشرة؛ قال تعالى: } الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ...{ الآية [البقرة: 268].
إن لكل مخادع وجهين ذوي صفة شيطانية لا يبغي من ورائها سوى إشباع شهواته الحيوانية؛ فهو يعمل على تحقيق مآربه تحت ستار الحب والعشق؛ لذا يجب أن يحذر من دعاة العشق والحب الكاذب.



علاج الإعجاب (العشق):
ودواء هذا الداء القتَّال أن يعرف أن ما ابتُلي به من هذا الداء المضاد للتوحيد إنما من جهله وغفلة قلبه عن الله؛ فعليه أن يعرف توحيد ربه وسننه وآياته أولاً، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكر في المعشوق، ويكثر اللُجْأ والتضرع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه، وعليه بالإخلاص في ذلك؛ وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه حيث قال: } كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ{ [يوسف: 24]؛ فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء بإخلاصه([2]).



ومن أنفع الأدوية للتخلص من هذا الداء أن يبتعد المبتلى به عن معشوقه، ومن يحرك كوامن الشهوة فيه؛ بحيث لا يراه ولا يسمع كلامه؛ فالابتعاد عنه أهون بكثير من الاسترسال معه ([3]) والوقوع في الآثام والمعاصي.
توجيه عاطفة الأبناء والبنات لما هو مفيد، واتخاذ الإجراءات المناسبة لمعالجة مثل هذه الظاهرة، وعدم التغاضي عنها؛ لأنها قد تؤدي إلى ظواهر أخرى سيئة.



} وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ...الآية{
[البقرة: 165-167].



أخي الكريم... أختي الكريمة:
فمما سبق يُعلم أن الشيطان يحاول بشتى السبل ومختلف الوسائل أن يضل بني آدم، ولن يكف عن ذلك حتى يُدخل من أطاعه نار جهنم؛ قال تعالى حكاية عنه: } قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ{
[الأعراف: 15-17].



وقد كتب الله عليه أن من اتبعه فإنه يهديه إلى السعير: }وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ{ [الحج: 4].



ولكن الله حذرنا منه في مواضع كثيرة من القرآن، وأن لا نستمع لغوايته والإعراض عن الصراط المستقيم؛ قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ{ [البقرة: 208].



ولم يقتصر البيان القرآني على هذا؛ بل قد كشف للناس المخطط الشيطاني؛ حتى يبصر كل ذي عينين ويتفكر أولو الألباب؛ فقال عن إبليس: } وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا{ [النساء: 118-120].



ولكن يوم القيامة يتبرأ الشيطان من أتباعه، وهناك يندم أتباع الشيطان، ولات ساعة مندم؛ قال تعالى: }وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ [إبراهيم: 22].



ولقد أخبر سبحانه أنه لا سلطان لشيطان على عباده المخلصين المتوكلين؛ فقال سبحانه: }قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ{. [الحجر: 39-42].



فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له سلطان على من تولاه وأشرك مع الله؛ فهؤلاء رعيته وهو سلطانهم ومتبوعهم ([4]).



وإليكم أخي الكريم... أختي الكريمة:
بعض الوسائل للوقاية من مصائد الشيطان وكيده:



1-اليقين الصادق بعداوة الشيطان للإنسان، واتخاذه عدواً: قال تعالى: } إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ{ [فاطر: 6].



2-الاستعاذة: وهو دواء نافع لكل نزغات الشيطان؛ قال تعالى: } وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{ [فصلت: 36]. وقال صلى الله عليه وسلم: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته». متفق عليه.



3- مداومة ذكر الله وقراءة القرآن: إن القرآن شفاء لما في الصدور، يُذهب ما يلقي الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة.

ومن السور والآيات التي تطرد الشيطان:
*سورة البقرة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». رواه مسلم.
*سورة الإخلاص والمعوذتين: الفلق والناس؛ فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: بينما أنا أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته في غزوة إذ قال: «يا عقبة! قل» فاستمعت ثم قال : «يا عقبة! قل». فاستمعت، ثم قال : «يا عقبة! قل». فاستمعت، فقال الثالثة، فقلت : ما أقول؟ فقال: «قل هو الله أحد». فقرأ السورة حتى ختمها؟ ثم قرأ: «قل أعوذ برب الفلق». وقرأت معه حتى ختمها، ثم قرأ: «قل أعوذ برب الناس». فقرأت معه حتى ختمها، ثم قال: «ما تعَّوذ بمثلهن أحد». حديث صحيح.



ومن الآيات آية الكرسي، وآخر آيتين من سورة البقرة، جاء في الصحيحين من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه».



4- غض البصر: النظر إلى ما نهى الله عنه من العورات والنساء والصور المحرمة من أشد مداخل الشيطان؛ لذا أمر الله عباده بغض البصر؛ قال تعالى : } قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ{... الآية. [النور:30]، وقال صلى الله عليه وسلم: «يا علي! لا تتبع النظرة النظرة فإنها لك الأولى، وليست لك الآخرة». رواه أحمد وأبو داود والترمذي.


وروى مسلم والترمذي عن جرير رضي الله عنه، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة، فقال «اصرف نظرك».
يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله: "والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان؛ فالنظرة تولد خطوة ثم تولد الخطوة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة تقوى فتصير عزيمة حازمة، فيقع الفعل ولابد، ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده".
قال الشاعر:



كلُ الحوادثِ مبداها من النظر





ومعظمُ النار من مستصغَر الشرر




كم نظرة بلغت من قلب صاحبها






كمبلغ السهم بين القوس والوَتَر




والعبدُ ما دام ذا طرف يقلبه






في أعين الغيد موقوف على خطر




يسرُ مقلته ما ضرّ مهجتَه






لا مرحباً بسرور عاد بالضرَر([5])













5- العفة والاستعفاف: فالعفة هي كف النفس عن المحارم وعما لا يجمل بالإنسان فعله، والعفة خلق إيماني رفيع، وهو زينة للرجل والمرأة في الدنيا والآخرة، يحفظان به إيمانهما ويضمنان بإذن الله استقامتهما، ويستجلبان به رضى ربهما، ويقيهما من فعل الفواحش والآثام.
كما أن العفة هي السبيل لحياة زوجية سعيدة؛ حيث يقدم عليها الزوجان بطهارة ونقاء، ولذلك فقد حث الإسلام على العفة والاستعفاف؛ فجاء ذلك النداء الرباني بقوله تعالى: }وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ{ [النور: 33].
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يسأل الله العفاف؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إني أسألك الهُدى، والتقى، والعفاف، والغنى». رواه مسلم.
ولعل من أعظم البشارات للعفيف هو حديث السبعة الذين يظلهم في ظله؛ حيث ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن منهم: «... ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين». متفق عليه. ويدخل في هذه البشارة المرأة العفيفة إذا دعاها رجل ذو منصب وجمال فقالت: إني أخاف الله رب العالمين.



6- الصحبة الصالحة: ولعله من أعظم الوسائل وأنفعها؛ ذلك لأن الرفقة والصحبة لها الأثر الواضح في سلوك الفرد؛ يبين ذلك الحديث: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». صحيح الجامع.
وفي زمننا هذا تظهر أهمية وضرورة مصاحبة الأخيار ممن طهرت أخلاقهم، واستقام نهجهم، وحسنت سيرتهم، يزداد المرء بمجالسهم علماً، وبمخالطتهم طهراً، وملازمتهم طمأنينة وأنساً في الدنيا([6])؛ قال صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة». متفق عليه. وفي الآخرة: }الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ{ [الزخرف: 67].



7- حجاب المرأة وسترها: على المرأة المسلمة أن تلتزم ما شرع الله من حدود وأحكام؛ حماية لها وللمجتمع من الفساد والفتنة، ومن ذلك التزامها بالحجاب الشرعي، والقرار في البيت، وعدم مخالطتها للرجال... إلى غيره من الأحكام.



8- التوبة والاستغفار: ومما يواجه به العبد كيد الشيطان أن يسارع بالتوبة والأوبة إلى إذا أغواه الشيطان، وهذا دأب عباد الله الصالحين؛ قال تعالى: } إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ{ [الأعراف: 201].



9- الدعاء: إن الدعاء سلاح المؤمن، ومن أهم وسائل التوفيق والصلاح للمرء وأهله وذريته طردُ الشيطان وأعوانه.



والدعاء من صفات عباد الرحمن الذين ذكرهم الله في كتابه العزيز؛ فقال تعالى: } وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا{ [الفرقان: 74].
وكان من دعاء الرسول والصحابة رضي الله عنهم يوم الخندق: «اللهُم استُرْ عوراتنَا وآمن روعاتِنَا». رواه الإمام أحمد.



أخي الكريم... أختي الكريمة:
إن الدنيا زائلة لا محالة، ومهما عُمِّرَ فيها الإنسان فإنه ميت ولابد؛ ثم هو صائر إلى الجنة أو النار؛ فمن اتبع هواه وشهواته في الدنيا فإن مصيره إلى جهنم وبئس المصير إذا لم يغفر الله له، ومن نهى النفس عن الهوى وألزمها طاعة ربها فإن الجنة هي المأوى؛ قال تعالى: } فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى{ [النازعات: 34-41].



فما أشقى من كانت النار هي مصيره: }مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ{
[إبراهيم: 16-17].
وما أسعد من كانت الجنة هي قراره: }يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{ [الزخرف: 68-71].
* * *


([1]) الصداقة في الإطار الشرعي ، د.عبد الرحمن الزنيدي ، ص 61، 62.
([2]) الجواب الكافي ، ابن القيم ، ص 220-221.
([3]) الفاحشة ، محمد الحمد ، ص118.
([4]) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ، ابن القيم ، ص159.
([5]) الجواب الكافي ، ابن القيم ، ص106.
([6]) العفة، يحيى العقيلي، ص 155.