المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علامات النبــوة



SeIfElLaH
10-10-2015, 12:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد؛
فإن الله عزَّ وجلَّ بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بعد ستمائة سنة من رفع المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، وكانت فترة طويلة تحرفت فيها الأديان وكثرت عبادة الأوثان وظهر الفساد في البر والبحر وانتشر الطغيان والظلم والجهل في البادية والحضر، إلا قليلا من أحبار اليهود والنصارى والصابئين، فبعثه الله تبارك وتعالى للخلق كافة إنسهم وجنهم عربهم وعجمهم أبيضهم وأسودهم وأصفرهم رحمة مهداة من لدنه سبحانه بين يدي الساعة، وهاديًا إلى الله بإذنه ومبشرًا ونذيرًا، ﴿تَبَارَكَ الَّذي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، وأَيَّدَه تبارك وتعالى بكتابه الكريم القرآن العظيم المثبت لرسالته والمؤكِّد لنبوته؛ فبدأ بدعوة قومه قريش إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع، ونهاهم عن الدماء والفواحش ووأد البنات وقول الزور وأكل مال الأيتام، وأمرهم بالصلاة والزكاة والصيام والصدق والعفاف وصلة الأرحام، فاستكبر قومه وكذبوه؛ غضبًا لآلهتهم، ونصبوا له العداوة وانطلقوا يرمونه بشتى التهم ويصفونه بالمجنون وبالساحر وبالكذاب وبالكاهن وبالشاعر، فما صدت تلك التهم الناس عن متابعته، ولم تثنهم عن الإيمان برسالته و التصديق بنبوته، ودخل الناس في الدين الجديد أرسالاً، فلما رأت قريش ذلك ناكرت محمد صلى الله عليه وسلم أشد مناكرة، وأجمعت على خلافه وعداوته وعداوة من اتبعه، فكان المؤمن فيهم يفتن في دينه إمَّا قتلوه وإمَّا عذبوه، وتربصوا بالنبي صلى الله عليه وسلم يريدون قتله فصرفهم الله عنه وعصمه منهم، ثم هاجر بأصحابه رضوان الله عليهم إلى المدينة، فقدمها بعد ثلاث عشرة سنة من الدعوة المحروبة في مكة؛ حيث عتت قريش على الله تبارك وتعالى وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه صلى الله عليه وسلم واستكبروا عن متابعته وعذبوا من آمن بالله تعالى وحده وكفر بآلهتهم وسفه أحلامهم.


فلما اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة واجتمع إليه المهاجرون من مكة ومن غيرها من بلاد العرب استحكم شأن الإسلام، فقامت الصلاة وفرضت الزكاة وقامت الحدود، ثم أذن الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بالقتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فتهيأ النبي صلى الله عليه وسلم لحربه وقام فيما أمره الله من جهاد عدوه وقتال من أمره الله بقتاله ممن يليه من المشركين، فكان من أمر البطشة الكبرى ببدر ما كان، وظلت الحرب بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين سجالا ينال منهم وينالون منه حتى غلبهم على أمره وقهرهم وظهر عليهم، وجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وصدق الله وعده حيث يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا ظاهرًا منصورًا بعد ثمان سنوات من خروجه منها؛ فحطَّم الأصنام التي كانت تملأ المسجد الحرام وطهره من الرجس والأوثان، وجعل سجدة الناس لله الواحد القهار ودانت له قريش وخضعت له العرب واستيقنت صدقه لمَّا لم يصبه ما أصاب إبرهة وجنده من العذاب المعلوم، فأسلم الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا، ولم ينتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أقام العرب على الحنيفية السمحاء والمحجة البيضاء فصلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.


وقد أيد الله تبارك وتعالى نبيه بمعجزات كثيرة وفي مقدمتها كلامه تبارك وتعالى ألا وهو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو أشهر معجزات النبي صلى الله عليه وسلم.


ومن وجوه إعجازه حسن تأليفه وظهور بلاغته واستحالة مجاراته وجدة أسلوبه واختلافه عن قواعد النظم و النثر المعروفة آنذاك، هذا إلى جانب ما يلحق تاليه من الخشية وما يعتري سامعه من الهيبة وكونه لا يكل قارئه ولا يمل سامعه، وهذا فيما سواه من الكلام معدوم، هذا مع سهولة حفظه ويسر تلاوته، ومن وجوه إعجازه أيضًا ما اشتمل عليه من أخبار الحوادث الماضية التي لم يكن يعلم تفصيلها سوى أفراد قلائل من أهل الكتاب، ولم يُعلم مما ثبت من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه اجتمع بأحد منهم أو أخذ عنهم، هذا إلى جانب إخباره بما سيقع، فوقع على وفق ما أخبر به في زمنه صلى الله عليه وسلم وبعده، مثل استحالة مجاراة القرآن ولو بسورة وغلب الروم وهزيمة المشركين في بدر ودخول المسجد الحرام واستخلاف المؤمنين وعُلُوّ كلمة الإسلام وأهله، هذا إلى ما فيه من الأمور العلمية التي لم يُحِطْ بها أحد إلا في السنوات القليلة الماضية من الإشارة إلى نشأة السماوات والأرض من مادة منضمة متماسكة، وإلى دوران الأرض وإلى الجاذبية والكلام عن انخفاض الضغط الجوي بازدياد الارتفاع عن سطح الأرض، والتصريح بكون الرياح لواقح، وغير ذلك من الآيات التي تبرز صدق هذا الكتاب المقدس وتجزم بشكل تام أنه موحى من عند الله عزَّ وجلَّ، وعلى الرغم من نزول القرآن قبل قرون كثيرة من عصر العلوم الحديثة فإن أحدًا لم يتمكن من إثبات أيَّةَ أخطاء علمية فيه، ولو أنه كان كلامًا بشريًا لكان هذا ضربًا من المستحيل؛ خاصة وأن أفكار الناس في زمنه صلى الله عليه وسلم عن الكون وأمور العلم الأخرى ستبدو لغوًا باطلًا ساذجًا لو درسناه في ضوء معلومات العصر الحاضر.


وأمَّا ما عدا القرآن من انشقاق القمر وهطول المطر ونبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم وتكثير الطعام و نطق الجماد؛ كتسبيح الطعام وهو يؤكل وحنين جذع النخلة وانقياد الشجر والإخبار بمصارع المشركين ليلة بدر قبل مصرعهم ونعي أمراء مؤتة قبل أن يأتي الخبر بمقتلهم والإخبار عن شهادة عمر وعثمان وعلي وإنفاق كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله، وعن إصلاح الحسن الفئتين وعن مقتل الحسين وعن فتح القسطنطينية قبل رومية وعن وفاته صلى الله عليه وسلم في مرضه الأخير وإخباره فاطمة عليها السلام أنها أول من لحق به من أهله، كل هذه المعجزات قد رواها العدد الكثير وأفادت القطع عند أهل العلم بالآثار والعناية بالسير والأخبار وذكر النووي في مقدمة شرح مسلم أن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم تزيد على ألف ومائتين وقال البيهقي في المدخل: بلغت ألفًا.


ولا أقول أني قد أحطت في هذه الرسالة بجميع علامات نبوته صلى الله عليه وسلم فهي أكبر من أن تحيط بها مثل هذه الرسالة القصيرة؛ ولكنني قد أظن أني جمعت فيها من النقول الصريحة والأحاديث الصحيحة ما يكفي الملحد - غير المعاند - ليرجع عن إلحاده بإذن الله وأهل الكتاب؛ ليستيقنوا أن الله تبارك وتعالى قد أرسل بعد موسى وعيسى عليهما السلام رسولا نبيًا اسمه محمد صلى الله عليه وسلم جاء بدين الإسلام، وأنه لا حظ لهم في الجنة ولا نصيب لهم من ولاية موسى وعيسى عليهما السلام إلا باتباعهم دين الإسلام وترك ما هم عليه من جرأتهم على الله عزَّ وجلَّ أو ادعائهم له الولد، كبرت كلمة تخرج من أفواههم وتعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، والله اسأل أن يهدي بهذه الرسالة خلقًا كثيرًا من عباده وأن يكثر بها ثوابي وأن يجعلها من الأعمال التي لا ينقطع عني نفعها وخيرها بعد أن أدرج في أثوابي، وأنا سائل أخًا انتفع بشيء منها أن يدعو لي ولوالدي وللمسلمين أجمعين، وعلى الله الكريم اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي وحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.


عبد الملك علي الكليب

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:44 PM
تبشير الأمم السابقة ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم



ذكر ابن إسحاق أن الكهان من العرب والأحبار من اليهود والرهبان من النصارى كانوا قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه لما تقارب من زمان بعثته، أمَّا الأحبار والرهبان فعمَّا وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه؛ فمنهم من سماه باسمه ومنهم من ذكره بصفته ومنهم من أضافه إلى بلده و منهم من خصَّه بأفعاله؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وأما الكهان فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع؛ إذ كانت لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منها ذكر بعض أموره لا تلقي العرب لذلك فيه بالا حتى بعثه الله تعالى ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها (1).


([1]) السيرة النبوية لابن هشام (1/217).

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:45 PM
إخبار الكهان



روى البخاري في الصحيح([1]) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ما سمعت عمر لشيء قط يقول: إني لأظنه كذا. إلا كان كما يظن؛ بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل فقال: لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليَّ الرجل. فدعي له فقال له ذلك فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. قال: فإني أعزم عليك إلامَ أخبرتني. قال: كنت كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنَّيتُك؟ قال: بينما أنا يومًا في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها([2]) ويأسها من بعد إنكاسها([3]) ولحوقها بالقلاص([4]) وأحلاسها([5])؟ قال عمر: صدق بينما أنا عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ([6]) لم أسمع صارخًا أشد منه يقول: يا جليح([7]) أمر نجيح، رجل فصيح يقول: لا إله إلا أنت فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله، فقمت فمانشبنا([8]) أن قيل: هذا نبي([9]).

([1]) نقلت أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله عن طريق الأحاديث المسندة، وهي التي يتصل إسنادها بنقل العدل الثقة الثبت عن مثله حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يكون شاذًا ولا معللا بعلة قادحة.
ومثال ذلك الحديث الذي رواه مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله» الموطأ (33).

([2]) المراد به اليأس بعد الرجاء

([3]) أي يئست من استراق السمع فانقلبت يائسة.

([4]) القلاص من الإبل: الفتية.

([5]) الإحلاس جمع حلس وهو كساء رقيق يوضع على ظهر الجمل تحت الرحل.

([6]) أي من جوف العجل كما في رواية أخرى عند ابن إسحاق.

([7]) ومعناه الوقح ويحتمل أن يكون نادى رجلا بعينه.

([8]) أي لم نتعلق بشيء من الأشياء حتى سمعنا أن النبي ص قد خرج، يريد أن ذلك كان قرب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم.

([9]) فتح الباري (8/178).

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:45 PM
إخبار اليهود



وكانوا باقتراب بعثته صلى الله عليه وسلم عالمين وبنبوته مؤمنين؛ فقد جاء في التوراة صفته ونعته؛ فمن ذلك ما جاء فيها عن موسى عليه السلام: (قال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا، أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه)([1]) وفي النسخ القديمة: (فأنا أنتقم منه).



ومن المعلوم لكل أحد أنه لم يقم في بني إسرائيل بعد موسى نبي مثله والدليل على ذلك من التوراة نفسها: (ولم يقم بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرَّب وجهًا لوجهه)([2]).



ومن المعلوم أيضًا أن إخوة بني إسرائيل هم بنو إسماعيل وليس منهم من ظهر كلام الله تبارك وتعالى على فمه غير محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهو الذي تكلم بكلام الله عزَّ وجلَّ وهو القرآن الكريم، وهو الذي انتقم الله ممن عصاه وخالف أمره، وقد علم كل أحد ما حلَّ باليهود في عهده صلى الله عليه وسلم جزاءً وفاقًا على كفرهم بما أرسل به.



وقد ثبت في إنجيل يوحنا (يحيى عليه السلام) أن اليهود كانوا ينتظرون النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يأتي بعد المسيح عليه السلام؛ ففي هذا الإنجيل: (وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت؟ فاعترف ولم ينكر وأقر: إني لست أنا المسيح، فسألوه إذًا ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال لست أنا. النبي أنت؟ فأجاب: لا. فقالوا له: من أنت لنعطي جوابًا للذين أرسلونا؟ ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا صوت صارخ في البرية)([3]).



ففي هذا النص دليل قوي على أن اليهود كانوا ينتظرون إيليا والمسيح ونبي يأتي بعد المسيح. فمن هو هذا (النبي) الذي جاء لفظه في الإنجيل مثل لفظه في التوراة مثل لفظه في القرآن إلا أن يكون محمدًا صلى الله عليه وسلم.



﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

([1]) الكتاب المقدس: سفر التثنية، الإصحاح الثامن عشر.

([2]) الكتاب المقدس: سفر التثنية، الإصحاح الرابع والثلاثون.

([3]) انجيل يوحنا: الإصحاح الأول.

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:48 PM
تبشير اليهود ببعثته صلى الله عليه وسلم



وكانت اليهود تحدث العرب ببعثته صلى الله عليه وسلم؛ فقد روى أحمد في مسنده عن سلمة بن سلامة بن وقش رضي الله عنه، وكان من أصحاب بدر قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بيسير فوقف على مجلس عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سِنًّا عليَّ بردة مضطجعًا فيها بفناء أهلي فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت فقالوا له: ويحك يا فلان ترى هذا كائنًا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم, والذي يحلف به لود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه وأن ينجو من تلك النار غدًا، قالوا له: ويحك وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنًّا فقال: إن يستفذ هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغيًا وحسدًا فقلنا: ويلك يا فلان ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى وليس به([1]). قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرَّح بالسماع([2]) وصححه ابن حِبَّان.



وروى يعقوب بن سفيان عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يهودي قد سكن مكة، فلما كانت الليلة التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا معشر قريش، هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلم. قال: انظروا فإنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة بين كتفيه علامة لا يرضع ليلتين؛ لأن عفريتًا من الجن قد وضع يده على فمه، فانصرفوا فسألوا فقيل له: قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام. فذهب اليهودي معهم إلى أمه فأخرجته لهم فلما رأى اليهودي العلامة خر مغشيًا عليه، وقال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل، يا معشر قريش أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب، قال الحافظ بن حجر في الفتح: إسناده حسن([3]).



وعن حسان بن ثابت رضي الله عنه قال: والله إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان أعقل كل ما سمعت؛ إذ سمعت يهوديًا يصرخ بأعلى صوته على أطمة([4]) بيثرب: يا معشر يهود. حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك! مالك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به، رواه ابن إسحاق([5]) وإسناده حسن.

([1]) المسند (3/467).

([2]) مجمع الزوائد (8/230).

([3]) الفتح (7/394).

([4]) الأطمة: الحصن.

([5]) السيرة النبوية لابن هشام (1/168).

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:49 PM
إخبار النصارى
وكذلك كان النصارى يترقبون مبعثه صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر الله عزَّ وجلَّ أن المسيح بن مريم عليه السلام قد بشر بني إسرائيل ببعثته صلى الله عليه وسلم وسماه لهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
وقد علم كل أحد ما طرأ على النصرانية من تحريف خرج بها من عداد الأديان السماوية التي جاءت بالتوحيد وجعلها في مصاف الأديان الوثنية أديان الشرك والتضليل وخاصة بعد مجمع نيقية عام 325م. حيث اضطهد العلماء القائلين بأن المسيح عليه السلام رسول ككل الرسل ونفي بعضهم وقتل البعض الآخر، واتخذ القائلون بالتثليث وألوهية المسيح عليه السلام وكانوا يقلون عن سدس المجتمعين قرارًا بذلك وفرض ذلك على النصارى جميعًا وقرروا أيضًا اختيار الأناجيل التي توافق القرار السابق وأمروا بحرق الأناجيل الأخرى فضلوا وأضلوا.
ولكن يشاء الله عزَّ وجلَّ أن ينجو أحد هذه الأناجيل من أيدي الظلمة ويصل إلى أيدي المسلمين وهو ولله الحمد يزجر بالتوحيد وبالتبشير بالنبي صلى الله عليه وسلم صراحة باسمه، ألا وهو إنجيل برنابا.
وقد حاول دعاة النصارى أن ينكروا نسبة هذا الإنجيل لبرنابا الذي هو أحد حواريي المسيح عليه السلام, وأن يرموا به المسلمين وأن واحدًا منهم هو الذي وضعه، ولكنهم غفلوا عن أمور كثيرة؛ منها أن البابا جلاسيوس الأول الذي جلس على أريكة البابوية سنة 492م أصدر أمرًا يعدد فيه أسماء الكتب المنهي عن مطالعتها وفي عدادها كتاب يسمى (إنجيل برنابا) فهذا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بتسع وسبعين سنة([1]).
ولقد لبث هذا الإنجيل في مكتبة البابا التي كانت في مأمن من التفتيش والمحاسبة قرونًا طويلة، ثم كُتِب لراهب لاتيني اسمه فرام رينو العثور على هذا الإنجيل في مكتبة البابا سكتس الخامس في أواخر القرن السادس عشر الميلادي فلما طالعه اعتنق الإسلام على الفور([2]).
ومما يدل على أن إنجيل برنابا كُتِب قبل عهد النبي صلى الله عليه وسلم بزمن طويل أنه يُكفر القائلين بأن المسيح هو الله، أو ابن الله، ولم يتعرض للذين يقولون أنه ثالث ثلاثة، ومن المعلوم أن القول الأخير لم يظهر إلا في مجمع نيقية عام 325م وكان عدد الحضور 2048 من الآباء الروحانيين، وتبنى أغلبهم مذهب آريوس القائل بأن "الأب وحده الله، والابن مخلوع مصنوع، وقد كان الأب إذ لم يكن الابن" تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا فاختلف المجتمعون وتضاربوا فأصدر الإمبراطور قسطنطين الكبير قرارًا بفض المجمع ثم أُعيد عقده بعد ذلك ولم يحضره إلا الأعضاء القائلون بالتثليث وبألوهية المسيح وكان عددهم 318 وحضر الإمبراطور نفسه هذا الاجتماع واتخذت فيه قرارات خطيرة وضعت الأساس للمسيحية التي لا تزال تتبعها الكنائس.
ومن أهمها القول بالتثليث وألوهية المسيح ونزوله ليصلب تكفيرًا عن خطيئة البشر واختيار الكتب التي يسمونها المقدسة زورًا وبهتانًا والتي لا تتعارض مع القرار السابق وتدمير ما عداها من الرسائل والأناجيل، فلو كان هذا الإنجيل من وضع المسلمين لتطرق إلى تكفير المثلثة ولكنه كتب قبل ذلك المجمع بزمن طويل.
ومما غفل عنه متعصبة النصارى أنه لو كان أحد المسلمين هو الذي وضعه بغرض مجادلة النصارى لوُرد ذكر هذا الإنجيل في تلك المجادلات التاريخية المشهورة بين المسلمين والنصارى ولكان أمضى سلاح للمسلمين في مثل تلك المناظرات، فلما لم يحتج بذلك أحد من المسلمين عُلم أنهم كانوا به جاهلين ومن تهمة وضعه بريئين.
ومن ذلك أنه لم يرد في إنجيل برنابا ذكر كلام المسيح عليه السلام لبني إسرائيل في المهد ولم يرد كذلك إخباره بما يدخرون في بيوتهم ولا المائدة التي أُنزلت من السماء عليه وعلى الحواريين، ولو أن مسلمًا أراد أن يضع إنجيلا لوضعه مستعينًا بالأصول التي ثبتت في الكتاب والسنة ولسمَّاه الإنجيل أو إنجيل عيسى.
وأول من عثر على النسخة الإيطالية لهذا الإنجيل هو كريمر أحد مستشاري ملك بروسيا وكان مقيمًا وقتئذ في أمستردام، فأخذها سنة 1709 من مكتبة أحد مشاهير المدينة المذكورة، ثم أهداها كريمر بعد ذلك إلى البرنس أيوجين سافوي، ثم انتقلت النسخة المذكورة سنة 1738 مع سائر مكتبة البرنس إلى مكتبة البلاط الملكي في فيينا حيث لا تزال هناك حتى الآن.
وقد جاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في إنجيل برنابا في قرابة سبعًا وأربعين موضعًا منها ما هو بصريح الاسم، ومنها أنه "مسيا" رسول الله أمل بني إسرائيل، ومنها أنه رسول الله الذي يأتي بعد عيسى بن مريم عليه السلام.
فمن ذلك ما جاء في الفصل السابع والتسعين من هذا الإنجيل: "... فقال حينئذ الكاهن: ماذا يُسمَّى مسيا وما هي العلامة التي تعلن مجيئه؟ أجاب يسوع: إن اسم مسيا عجيب؛ لأن الله نفسه سمَّاه لما خلق نفسه ووضعها في بهاء سماوي، قال الله: "اصبر يا محمد لأني لأجلك أريد أن أخلق الجنة والعالم وجمًا غفيرًا من الخلائق التي أهبها لك، حتى أن من يباركك يكون مباركًا ومن يلعنك يكون ملعونًا ومتى أرسلتك إلى العالم أجعلك رسولي للخلاص وتكون كلمتك صادقة حتى أن السماء والأرض تهنان ولكن إيمانك لا يهن أبدًا" إن اسمه المبارك محمد، حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين: يا الله أرسل لنا رسولك، يا محمد تعال سريعًا لخلاص العالم.
ومن ذلك ما جاء في الفصل الثاني والأربعين منه: "... فإن رؤساء الكهنة تشاوروا فيما بينهم ليتسقطوه بكلامه لذلك أرسلوا اللاويين وبعض الكتبة يسألونه قائلين: من أنت؟ فاعترف يسوع وقال: "الحق إني لست مسيا" فقالوا: أأنت إيليا أو أرميا أو أ حد الأنبياء القدماء؟ أجاب يسوع: "كلا" حينئذ قالوا: من أنت؟ قل لنشهد للذين أرسلونا فقال حينئذ يسوع: "أنا صوت صارخ في اليهودية كلها يصرخ: أعدوا طريق رسول الرَّب؟ كما هو مكتوب في أشعيا" قالوا: إذا لم تكن المسيح ولا إيليا أو نبيًا ما، فلماذا تبشر بتعليم جديد وتجعل نفسك أعظم شأنًا من مسيا؟ أجاب يسوع: "إن الآيات التي يفعلها الرَّب على يدي تظهر أني أتكلم بما يريد الله، ولست أحسب نفسي نظير الذي تقولون عنه؛ لأني لست أهلا أن أحل رباطات جرموق أو سيور حذاء رسول الله الذي تسمونه مسيا الذي خلق قبلي وسيأتي بعدي بكلام الحق ولا يكون لدينه نهاية فانصرف اللاويون والكتبة بالخيبة".
فهذا بعض ما ورد في إنجيل برنابا، وقد جاء في إنجيل يوحنا قول عيسى عليه السلام للحواريين: "أنا ذاهب وسيأتيكم البار قليط([3]) روح الحق ا لذي لا يتكلم من قبل نفسه إلا كما يقال له، وهو يشهد عليَّ وأنتم تشهدون لأنكم معي من قبل الناس وكل شيء أعدَّه الله لكم يخبركم به"([4]) وجاء في إنجيل يوحنا أيضًا: "أن البار قليط لا يجيئكم ما لم أذهب فإذا جاء وبَّخ العالم على الخطيئة ولا يقول من تلقاء نفسه شيئًا ولكن مما يسمع به يكلمكم ويسوسكم بالحق ويخبركم بالحوادث والغيوب"([5]).
([1]) ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة يوم الاثنين الموافق 20 إبريل سنة 571 م.
([2]) راجع مقدمة إنجيل برنابا.
([3]) البار قليط بلغتهم: أي الذي له حمد كثير, فتأمل توافق المعنى مع اسمه عليه الصلاة والسلام.
([4]) إنجيل يوحنا: الإصحاح الخامس عشر.
([5]) إنجيل يوحنا: الإصحاح السادس عشر.

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:52 PM
فهذه بشائر الإنجيل التي وصلت إلينا وما لم يصل إلينا أصرح في الصفة([1]) فمن هو الذي لا يتكلم من قبل نفسه غير محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ومن الذي وبَّخ العالم على الخطيئة أنجع توبيخ غيره كما قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عُصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله». متفق عليه، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظلِّ رمحي، وجعل الذُّل والصغار على من خالف أمري». رواه أحمد([2]) وصححه الألباني([3]).
وكما كان اليهود يحدثون العرب عن اقتراب بعثته صلى الله عليه وسلم، كذلك كان النصارى يفعلون، فقد روى أحمد في مسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني سلمان الفارسي حديثه مِن فيه، قال: كنت رجلًا فارسيًا من أهل أصبهان من أهل قرية منها يقال لها: جي وكان أبي دهقان([4]) قريته، وكنت أحبَّ خلق الله إليه فلم يزل به حبُّه إياي حتى حبسني في بيته؛ أي ملازم النار كما تحبس الجارية وأجهدت في المجوسية حتى كنت قطن([5]) النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة. قال: فشغل في بنيان له يومًا فقال لي: يا بني، إني قد شغلت في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب فاطلعها, وأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يُصلون وكنت لا أدري ما أمر الناس؛ لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلما رأيتهم أعجبني صلاتهم ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي ولم آتها فقلت لهم: أين أَصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام، قال: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله قال: فلما جئته قال: أي بني، أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت يا أبتي مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم حتى غربت الشمس قال: أي بني ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه قال: قلت: كلا والله إنه خير من ديننا. قال: فخافني فجعل في رجلي قيدًا ثم حبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى قال: فأخبروني بهم قال: فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الراجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم. قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف([6]) في الكنيسة. قال: فجئته فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأُصلي معك. قال: فادخل، فدخلت معه قال: فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه منها أشياء اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق([7]) قال: وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع ثم مات فاجتمعت النصارى ليدفنوه فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئًا قالوا وما علمك بذلك؟ قال: قلت أنا أدلُّكم على كنزه. قالوا: فدلنا عليه. قال: فأريتهم موضعه. قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وورقًا قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا. فصلبوه ثم رجموه بالحجارة ثم جاءوا برجل آخر فجعلوه بمكانه. قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلاً لا يُصلي الخمس([8]) أرى أنه أفضل منه أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلاً ونهارًا منه. قال: فأحببته حبًّا لم أحبه من قبله وأقمت معه زمانًا، ثم حضره الوفاة فقلت له: يا فلان إني كنت معك وأحببتك حبًّا لم أحبه من قبلك وقد حضرك ما ترى من أمر الله فإلى من تُوصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنت عليه؛ لقد هلك الناس وبدَّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلًا بالموصل وهو فلان على ما كنت عليه، فالحق به. قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت له: يا فلان إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إن فلانًا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله عزَّ وجلَّ ما ترى، فإلى من تُوصي بي وما تأمرني؟ قال أي بني والله ما أعلم رجلًا على مثل ما كنا عليه إلا رجلًا بنصيبين وهو فلان فالحق به. قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي. قال: فأقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له: يافلان إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وتأمرني، قال: أي بني والله ما نعلم أحدًا بقي على أمرنا؛ آمرك أن تأتيه، إلا رجلًا بعمورية, فإنه بمثل ما نحن عليه فإن أحببت فأته. قال: فإنه على أمرنا قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية وأخبرته خبري, فقال: أقم عندي فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم. قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان فأوصى بي فلان إلى فلان وأوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ولكن قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرًا إلى أرض بين حرتين([9]) بينهما نخل، به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. قال: ثم مات وغيب فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ثم مرَّ بي نفر من كلب تجارًا فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم, فأعطيتهموها وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدًا فكنت عنده ورأيت النخل ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي فأقمت فيها، وبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال فلان: قاتل الله بني قيلة([10]) والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة يزعمون أنه نبي. قال: فلما سمعتها أخذتني العرواء([11]) حتى ظننت سأسقط على سيدي. قال: ونزلت عن النخلة وجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال: مالك ولهذا أقبل على عملك. قال: قلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبت عما قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم. قال: فقربته إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «كلوا» وأمسك يده فلم يأكل قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة ثم انصرفت عنه فجمعت شيئًا وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئت به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان. ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد، قال: وقد تبع جنازة من أصحابه عليه شملتان([12]) له وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم([13]) الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي قال: فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحول» فتحولت فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس. قال: فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه، ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد، قال: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كاتب يا سلمان([14])» فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير([15]) وبأربعين أوقية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أعينوا أخاكم» فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية([16]) والرجل بعشرين والرجل بخمس عشرة والرجل بعشر، يعني الرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي» ففقرت لها وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها فجعلنا نقرب له الودي ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة فأديت النخل وبقي على المال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي فقال: «ما فعل الفارسي المكاتب؟» قال: فدعيت له, فقال: « خذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان» فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: «خذها فإن الله عزَّ وجلَّ سيؤدي بها عنك» قال: فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم وعتقت فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق ثم لم يفتني معه مشهد([17]) قال الهيثمي: ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن إسحاق وقد صرح بالسماع([18]) وقال الألباني إسناده حسن([19]).
([1]) أجزم أن أهل الكتاب كانوا يعرفونه حتى اليوم الذي سوف يقبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والدليل ما رواه البخاري في الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنت في اليمن فلقيت رجلين من أهل اليمن ذا كلاع وذا عمرو فجعلت أحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ذو عمرو: لئن كان الذي تذكر من أمر صاحبك- أي حقًا- لقد مرَّ على أجله منذ ثلاث, وأقبلا معي حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من قبل المدينة فسألناهم فقالوا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر والناس صالحون. الفتح (9/138).
([2]) المسند (2/ 5).
([3]) صحيح الجامع الصغير (3/8).
([4]) الدهقان: شيخ القرية العارف بالفلاحة وما يصلح الأرض.
([5]) قطن النار أي خادمها الذي يخدمها.
([6]) الأسقف: عالم النصارى الذي يقيم لهم أمر دينهم.
([7]) أي فضة
([8]) أي غير مسلم.
([9]) الحرة: كل أرض ذات حجارة سوداء.
([10]) بني قيلة: هم الأوس والخزرج.
([11]) العرواء: الرعدة من البرد والانتفاض.
([12]) الشملة: كساء غليظ يشتمل به الإنسان، أي يلتحف به.
([13]) جاءت صفة خاتم النبوة في أحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم وغيرهما, وهي من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم قال جابر بن سمرة رضي الله عنه في آخر الحديث الذي وصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده رواه مسلم (15/97).
([14]) المكاتبة: يعني أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه إليه منجما فإذا أداه صار حرًا.
([15]) أي بالحفر والغرس.
([16]) الودية: واحدة الودي, وهو النخل الصغار.
([17]) المسند (5/441).
([18]) مجمع الزوائد (9/336).
([19]) الأحاديث الصحيحة (2/592).

SeIfElLaH
10-10-2015, 12:54 PM
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت، قال: فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرَّ ساجدًا ولا يسجدان إلا لنبي وأنا أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به وكان هو في رعيه الإبل قال: أرسلوا إليه. فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة, فلما جلس مال فيء الشجرة عليه, فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم، وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم, فقال: ما جاء بكم؟ قالوا جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وأنا قد أخبرنا خبره بعثنا إلى طريق هذا, فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس ردَّه؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه، قال: أنشدكم الله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى ردَّه أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالًا، وزوَّده الراهب من الكعك والزيت. رواه الترمذي([1]) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الألباني: إسناده صحيح كما قال الجزري([2])، وذكر ابن إسحاق أن ذلك جرى مع راهب بصري الذي يقال له بحيري وكان إليه علم أهل النصرانية.
([1]) السنن (13/106).
([2]) فقه السيرة (68).

SeIfElLaH
10-10-2015, 01:07 PM
خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة
واشتهاره بالصدق ومكارم الأخلاق

ذلك ما كان من أمر التبشير ببعثته صلى الله عليه وسلم، أما ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من خلق فقد حفظ لنا التاريخ صحيفة بيضاء ناصعة لحياته صلى الله عليه وسلم قبل إعلان النبوة وبعدها، ومما حفظ أنه صلى الله عليه وسلم اشتهر بالصدق والأمانة، وأجمعت قريش على أنه يستحيل أن يكذب أو يغدر أو يخون الأمانة وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين حتى أنه ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا كان يضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته، لذلك لم يكن صدقه صلى الله عليه وسلم حين إعلان النبوة موضع شك أو بحث مطلقًا لدى أهل مكة، فإنهم كانوا على علم تام بحياته الكاملة ولذلك لم يرمه أحد بتهمة الكذب أو الاحتيال في أول الأمر بل ذهبوا يدعون أنه فقدَ وعيه أو أنه شاعر أو ساحر أو مجنون، إلا أن الدارس المنصف لحياته صلى الله عليه وسلم يعلم يقينًا أن الطهر والصدق كانا أخص شمائله صلى الله عليه وسلم وأظهر صفاته قبل النبوة وبعدها وقد شهد بذلك الأصدقاء والأعداء.

وإليك بعضًا من شهادات أعدائه صلى الله عليه وسلم لتعرف مبلغ صدقه وأمانته في دعوى الوحي وأنه لم يكن ليأتي بشيء من القرآن من تلقاء نفسه ثم يقول هذا من عند الله.

SeIfElLaH
10-10-2015, 01:10 PM
شهادة المشركين أول البعثة

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي» لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم, ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾([1]).

فانظر رحمك الله وتأمل في شهادة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم بالصدق طيلة عمره معهم: ما جربنا عليك إلا صدقًا. أي أنهم لم يحفظوا عليه كذبة واحدة قبل أن يقول ما قال.
([1]) الفتح (10/120) ومسلم (3/83).

SeIfElLaH
10-10-2015, 01:14 PM
شهادة أبي سفيان بين يدي هرقل

روى البخاري في الصحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارًا بالشام في المدة([1]) التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مادَّ([2]) فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه بإيلياء([3]) فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان فقلت: أنا أقربهم نسبًا فقال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبًا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: لا بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة([4]) قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: «اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم» ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجمان: قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول فذكرت أن لا فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتسي بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين([5])، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون».

قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر([6]) أمْر ابن أبي كبشة([7]) إنه يخافه ملك بني الأصفر([8]) فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام([9]).
فتأمل شهادة قريش الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر وأحد والخندق وكيف سجلها أبو سفيان وهو في الجاهلية على الكفر لما سأله هرقل: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان لا. فلله الحمد والمنة.
([1]) يعني مدة الصلح بالحديبية سنة ست, وكانت مدتها عشر سنين.
([2]) ماد: أي أطال في مدتها.
([3]) أي القدس.
([4]) أي انتقصه بها.
([5]) أي الضعفاء والأتباع والفلاحين.
([6]) أي عظم.
([7]) أراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
([8]) أي الروم.
([9]) الفتح (1/44).

SeIfElLaH
10-10-2015, 01:28 PM
شهادة أمية بن خلف وامرأته
روى البخاري في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرًا قال: فنزل على أمية بن خلف أبي صفوان، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمرَّ بالمدينة نزل على سعد فقال أمية لسعد: ألا أنتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت، فبينما سعد يطوف إذا أبو جهل فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ قال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنًا وقد آويتم محمدًا وأصحابه. فقال: نعم. فتلاحيا بينهم فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم؛ فإنه سيد أهل الوادي، ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام. قال فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك. وجعل يمسكه فغضب سعد فقال: دعنا عنك فإني سمعت محمدًا صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟ قال: نعم، قال: والله ما يكذب محمدًا إذا حدث فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ قالت: وما قال؟ قال: زعم أنه سمع محمدًا يزعم أنه قاتلي، قالت: فوالله ما يكذب محمد. قال: فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ قالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي فسر يومًا أو يومين فسار معهم فقتله الله([1]).
فتأمل يا عبد الله شهادة الرجل وامرأته عندما قالا: فوالله ما يكذب محمد. إذا حدَّث مع شدة عداوتهما له صلى الله عليه وسلم، فيا لها من شهادة.
هذا، وإنك لو تتبعت سيرته الشريفة من لدن طفولته صلى الله عليه وسلم ونشأته إلى شبابه وكهولته إلى مبعثه إلى وفاته صلى الله عليه وسلم فلن تشك في أنه كان أصدق الناس وأبعدهم عن الكذب، وأن ذلك كان أخص شمائله وأظهر صفاته قبل النبوة وبعدها كما شهد ويشهد بها أصدقاؤه وأعداؤه على مرِّ العصور.
قالت الدكتورة لورافيشيا فاغليري:" لقد حاول أقوى أعداء الإسلام وقد أعماهم الحقد أن يرموا نبي الله ببعض التُّهم المفتراة، لقد نسوا أن محمدًا كان قبل أن يستهل رسالته موضع الإجلال العظيم من مواطنيه بسبب أمانته وطهارة حياته، ومن عجب أن هؤلاء الناس لا يجشمون أنفسهم عناء التساؤل، كيف جاز أن يقوى محمد على تهديد الكاذبين والمرائين في بعض آيات القرآن اللاسعة بنار الجحيم الأبدية لو كان هو قبل ذلك رجلا كذَّابًا؟ كيف جرؤ على التبشير على الرغم من إهانات مواطنيه إذا لم يكن ثمة قوى داخلية تحثُّه وهو الرجل ذو الفطرة البسيطة حثًّا موصلًا حتى استطاع أن يستهل صراعًا كان يبدو يائسًا؟ كيف وُفِّق إلى أن يواصل هنا الصراع أكثر من عشر سنوات في مكة في نجاح قليل جدًا وفي أحزان لا تحصى إذا لم يكن مؤمنًا إيمانًا عميقًا بصدق رسالته؟ كيف جاز أن يؤمن به هذا العدد الكبير من المسلمين النبلاء والأذكياء وأن يؤازروه ويدخلوا في الدين الجديد ويشدوا أنفسهم بالتالي إلى مجتمع مؤلف في كثرته من الأرقاء والعتقاء والفقراء المعدمين إذا لم يلمسوا في كلمته حرارة الصدق؟ ولسنا في حاجة إلى أن نقول أكثر من ذلك، فحتى بين الغربيين يكاد ينعقد الإجماع على أن صدق محمد صلى الله عليه وسلم كان عميقًا وأكيدًا "([2]).
([1]) الفتح (7/442).
([2]) دفاع عن الإسلام (37، 38).

SeIfElLaH
10-10-2015, 01:34 PM
علامات النبوة بعد بعثته صلى الله عليه وسلم


إعجاز القرآن المستمر
عجز الجن والإنس عن معارضة القرآن بمثله

أنزل الله عزَّ وجلَّ القرآن على عبده ورسوله النبي الأمي الذي كان لا يعرف القراءة والكتابة ولا يعلم شيئًا عن علم الأوائل وأخبار الماضين فضلًا عن غيب المستأخرين وتحدي من ينكره من الإنس والجن أن يأتوا بمثله، فعجزوا عن ذلك مع توافر دواعي أعدائه على معارضته وفصاحتهم وبلاغتهم، ثم تحدَّاهم بعشر سور منه فعجزوا، ثم تنازل إلى التحدِّي بسورة من مثله فعجزوا عنه، وهذا من أعظم المعجزات وأروع الآيات.

قال الله عزَّ وجلَّ في سورة الطور وهي مكية:
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾.

أي إن كنتم صادقين في أنه قاله من عنده فأتوا بمثل ما جاء به؛ فإنكم بشر مثله.
وقال تعالى أيضًا في سورة هود وهي مكية أيضًا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

وقال تعالى في سورة يونس وهي مكية أيضًا: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.

وقال تعالى في سورة البقرة وهي مدنية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.

فانظر رحمك الله كيف تحدَّاهم وكرَّر عليهم ذلك التحدِّي في صور شتى، متهكمًا بهم متنزلًا معهم إلا الأخف فالأخف، وأباح لهم في كل مرة أن يستعينوا بمن شاءوا ومن استطاعوا، ثم رماهم والعالم كله بالعجز في غير مواربة فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾؛ فبين الله جلَّ وعلا أن الخلق عاجزون عن معارضة هذا القرآن بل عن عشر سور مثله بل عن سورة منه وأنهم لا يستطيعون ذلك أبدًا؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ أي فإن لم تفعلوا في الماضي و الحاضر ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، وهذا تحدٍّ ثان وهو أنه لا يمكن معارضتهم له لا في الحال ولا في المآل، ومثل هذا التَّحدي إنما يصدر عن واثق بأن ما جاء به لا يمكن للبشر معارضه ولا الإتيان بمثله، ولو كان من متقول من عند نفسه لخاف أن يعارض فيفتضح ويعود عليه نقيض ما قصده من متابعة الناس له، خاصَّةً وأنه كما قال القاضي عبد الجبار: لا يعرف العرب كلها ولا يحصي قبائلها، والفصاحة والبلاغة مثبوتة في رجالها ونسائها وعبيدها وإمائها، وقد علم صلى الله عليه وسلم أنهم في اللغة والبلاغة قبله وهو منهم تعلم وهو عاقل؛ فلولا أنه قد تيقن أنهم لا يأتون بمثله لما أقدم على الإخبار بذلك.

وهكذا وقع فإنه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى زماننا هذا لم يستطع أحد أن يأتي بنظيره ولا نظير سورة منه، وهذا لا سبيل إليه أبدًا؛ فإنه كلام رب العالمين الذي لا يشبهه شيء من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ فأنىَّ يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق، وهكذا لا يزال تحدي القرآن الكريم قائمًا ومستمرًا على مرِّ القرون والأجيال، وهي خاصية عظيمة ورائعة في صالح القرآن تثبت دون مرية أنه كلام رب العالمين، وأي إنسان يتمتع بكفاءة التفكير والإمعان في حقيقة الأمر والتخلي عن التعصب يكفيه ذلك ليؤمن بهذا الكتاب.

قالت المستشرقة الإيطالية الدكتورة لورافيشيا فاغليري في كتابها (دفاع عن الإسلام): "إن معجزة الإسلام العظمى هي القرآن الذي ينقل إلينا الرواية الراسخة غير المنقطعة من خلاله أنباء تتصف بيقين مطلق، إنه كتاب لا سبيل إلى محاكاته، إن كلا من تعبيراته شامل جامع ومع ذلك هو ذو حجم مناسب ليس بالطويل أكثر مما ينبغي وليس بالقصير أكثر مما ينبغي، أما أسلوبه فأصيل فريد، وليس ثمة أيما نمط لهذا الأسلوب في الأدب العربي الذي تحدر إلينا من العصور التي سبقته، والأثر الذي يحدثه في النفس البشرية إنما يتم من غير أيما عون عرضي أو إضافي من خلال سموه السليقي, إن آياته كلها على مستوى واحد من البلاغة؛ حتى عندما تعالج موضوعات لا بد أن تؤثر في نفسها أو جرسها, كموضوع الوصايا والنواهي وما إليها، إنه يكرر قصص الأنبياء وأوصاف بدء العالم ونهايته وصفات الله وتفسيرها ولكنه يكررها على نحو مثير إلى درجة لا تضعف من أثرها، وهو ينتقل من موضوع إلى موضوع من غير أن يفقد قوته، إننا نقع هنا على العمق والعذوبة معًا، وهما صفتان لا تجتمعان عادة؛ حيث تجد كل صورة بلاغية تطبيقًا كاملًا؛ فكيف يمكن أن يكون هذا الكتاب المعجز من عمل محمد صلى الله عليه وسلم وهو العربي الأمي الذي لم يلفظ طوال حياته غير بيتين أو ثلاثة أبيات لا ينم أي منها عن أدنى موهبة شعرية.

وقالت أيضًا: إن هذا الكتاب -يعني القرآن- إلى جانب كماله من حيث الشكل والطريقة؛ فقد أثبت أنه ممتنع عن التقليد والمحاكاة حتى في مادته، فنحن نقرأ فيه إلى جانب أشياء أخرى كثيرة تنبؤ ببعض أحداث المستقبل ووصفا لوقائع حدثت منذ قرون ولكنها كانت مجهولة على وجه عام، إن ثمة إشارات كثيرة إلى نواميس الطبيعة وإلى علوم مختلفة دينية ودنيوية، إننا نقع على ذخائر واسعة من المعرفة تُعجز أكثر الناس ذكاءً وأعظم الفلاسفة وأقدر رجال السياسة، ولهذه الأسباب كلها لا يمكن للقرآن أن يكون من عمل رجل غير مثقف قضى حياته كلها وسط مجتمع جاف بعيد عن أصحاب العلم والدين، رجل أصرَّ دائمًا على أنه ليس إلا رجلاً مثل سائر الرجال فهو بوصفه هذا عاجز عن اجتراح المعجزات ما لم يساعده على ذلك ربُّه الكلي القدرة، إن القرآن لا يُعقل أن ينبثق عن غير الذات التي وسع علمها كل شيء في السماء والأرض"([1]).

وقال الذين كفروا من أهل الكتاب أن القرآن ما هو إلا تحريف بشع للتوراة وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه حرف واحد من الله تعالى، وأنه تعلمه من "بحير" الراهب عندما لقيه في الشام.

وقد تولى الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني رحمه الله دفع هذه الشبهة في مناهل العرفان بقوله:

أولًا: إن هذه الدعوة مجردة من الدليل، خالية من التحديد والتعيين، ومثل هذه الدعاوى لا تقبل ما دامت غير مدللة، وإلا فليخبرونا ما الذي سمعه محمد من "بحير" الراهب؟ ومتى كان ذلك؟ وأين كان؟

ثانيًا: إن التاريخ لا يعرف أكثر من أنه صلى الله عليه وسلم سافر إلى الشام في تجارة مرتين، مرة في طفولته ومرة في شبابه، ولمن يسافر غير هاتين المرتين، ولم يجاوز سوق بصرى فيهما، ولم يسمع من "بحير" ولا من غيره شيئًا من الدين، ولم يك أمره سرًّا هناك؛ بل كان معه شاهد في المرة الأولى وهو عمُّه أبو طالب، وشاهد في الثانية وهو ميسرة غلام خديجة التي خرج الرسول بتجارتها أيامئذ، وكل ما هنالك أن بحيرًا رأى سحابة تظلله صلى الله عليه وسلم من الشمس، فذكر لعمِّه أن سيكون لهذا الغلام شأن، ثم حذَّره عليه من اليهود، وقد رجع به عمُّه خوفًا عليه ولم يتم رحلته. كذلك رُوي هذا الحادث من طرق في بعض أسانيدها ضعف، ورواية الترمذي ليس فيها اسم "بحير" وليس في شيء من الروايات أنه صلى الله عليه وسلم سمع من "بحير" أو تلقى منه درسًا واحدًا أو كلمة واحدة؛ لا في العقائد ولا في العبادات ولا في المعاملات ولا في الأخلاق؛ فأنى يؤفكون؟

ثالثًا: أن تلك الروايات التاريخية نفسها تحيل أن يقف هذا الراهب موقف المعلم لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه بشَّره أو بشَّر عمَّه بنبوته، وليس بمعقول أن يؤمن رجل بهذه البشارة التي يزفها ثم ينصب نفسه أستاذًا لصاحبها الذي سيأخذ عن الله ويتلقى من جبريل، ويكون هو أستاذ الأستاذين وهادي الهداة والمرشدين، وإلا كان هذا الراهب متناقضًا مع نفسه.

رابعًا: أن بحيرًا الراهب لو كان مصدر هذا الفيض الإسلامي المعجز، لكان هو الأحرى بالنبوة والرسالة والانتداب لهذا الأمر العظيم.

خامسًا: أنه يسحيل في مجرى العادة أن يتم إنسان على وجه الأرض تعليمه وثقافته ثم ينضج النضج الخارق للمعهود فيما تعلم وتثقف بحيث يصبح أستاذ العلم كله لمجرد أنه لقي مصادفة واتفاقًا راهبًا من الرهبان مرتين، على حين أن هذا التلميذ كان في كلتا المرتين مشتغلا عن التعليم با لتجارة، وكان أُميًّا لا يعرف القراءة والكتابة، وكان صغيرًا تابعًا لعمه في المرة الأولى، وكان حاملًا لأمانة ثقيلة في عنقه لابد أن يؤديها كاملة في المرة الثانية، وهي أمانة العمل والإخلاص في مال خديجة وتجارتها.

سادسًا: أن طبيعة الدين الذي ينتمي إليه الراهب بحيرًا، تأبى أن تكون مصدرًا للقرآن وهدايته، خصوصًا بعد ما أصاب ذلك الدين ما أصابه من تغيير و تحريف.

وحسبك أدلة على ذلك أن القرآن قد صور علوم أهل الكتاب في زمانه بأنها الجهالات ثم تصدى لتتصحيحها وصور عقائدهم بأنها الضلالات ثم عمل على تقويمها وصور أعمالهم بأنها المخازي والمنكرات ثم حضَّ على تركها، ثم تذكر أن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه، وأن الخطأ لا يمكن أن يكون مصدرًا للصواب، وأن الظلام لا يمكن أن يكون مشرقًا للنور.

سابعًا: أن أصحاب هذه الشبهة من الملاحدة يقولون: إن القرآن هو الأثر التاريخي الوحيد الذي يمثل روح عصره أصدق تمثيل, فإذا كانوا صادقين في هذه الكلمة فإننا نحاكمهم في هذه الشبهة إلى القرآن نفسه، وندعوهم ليقرأوا ولو مرة واحدة بتعقل ونصفة، ليعرفوا منه كيف كانت الأديان وعلماؤها وكتابها في عصره؟ وليعلموا أنها ما كانت لتصلح لأستاذية رشيدة، بل كانت هي في أشد الحاجة إلى أستاذية رشيدة، إنهم إن فعلوا ذلك فسيستريحون ويُرحون الناس من هذا الضلال والزيغ ومن ذلك الخبط و الخلط هدانا وهداهم الله, فإن الهدى هداه ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.

ثامنًا: أن هذه التهمة لو كان لها نصيب من الصحة، لفرح بها قومه وقاموا لها وقعدوا لأنهم كانوا أعرف الناس برسول الله، وكانوا أحرص الناس على تبهيته وتكذيبه وإحباط دعوته بأيَّة وسيلة. ولكنهم كانوا أكرم على أنفسهم من هؤلاء الملاحدة فحين أرادوا طعنه بأنه تعلم القرآن من غيره لم يفكروا أن يقولوا أنه تعلم من بحير الراهب كما قال هؤلاء، لأن العقل لا يصدق ذلك والهزل لا يسعه، بل لجأوا إلى رجل في نسبة الأستاذية إليه شيء من الطرافة والهزل، حتى إذا مجت العقول نسبة الأستاذية إليه لاستحالتها، قبلتها النفوس لهزلها وطرافتها، فقالوا: إنما يعلمه بشر، وأرادوا بالبشر حدادًا روميًا منهمكًا بين مطرقته وسندانه، ظالًّا طول يومه في خبث الحديد وناره ودخانه، غير أنه اجتمع فيه أمران حسبوهما مناط توريج تهمتهم: أحدهما: أنه مقيم بمكة إقامة تيسر لمحمد الاتصال الدائم الوثيق به، والتلقي عنه. والآخر: غريب عنهم وليس منهم، ليخيلوا إلى قومهم أن عند هذا الرجل علم ما لم يعلموا هم ولا آباؤهم فيكون ذلك أدنى إلى التصديق بأستاذيته لمحمد، وغاب عنهم أن الحق لا يزال نوره ساطعًا يدل عليه، لأن هذا الحداد الرومي أعجمي لا يحسن العربية، فليس بمعقول أن يكون مصدرًا لهذا القرآن الذي هو أبلغ نصوص العربية بل هو معجزة المعجزات ومفخرة العرب واللغة العربية.

﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾([2]).

([1]) دفاع عن الإسلام (56-58).
([2]) مناهل العرفان (2/317-319).

SeIfElLaH
10-10-2015, 01:36 PM
تحقق وعد الباري عزَّ وجلَّ بحفظ القرآن
أنزل الله عزَّ وجلَّ القرآن على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وتكفل بحفظه من التحريف والتبديل والضياع, فقال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
وهذه آية من سورة مكية، قال العالم الرباني محمد عبد الله دراز تغمده الله بواسع رحمته: وأنت قد تعرف ما أمر الدعوة المحمدية بمكة، عشر سنوات كلها إعراض من قومه عن الاستماع لقرآنه وصدٌّ لغيرهم عن الإصغاء له واضطهاد وتعذيب لتلك الفئة القليلة التي آمنت به ثم مقاطعة له ولعشيرته ومحاصرتهم مدة غير يسيرة في شعب من شعاب مكة ثم مؤامرات سرية أو علنية على قتله أو نفيه، فهل للمرء أن يلمح في ثنايا هذا الليل الحالك الذي طوله عشرة أعوام شعاعًا ولو ضئيلًا من الرجال أن يتنفس صبحه عن الإذن لهؤلاء المظلومين، برفع صوتهم وإعلان دعوتهم؟ ولو شام المصلح تلك البارقة من الأمل في جوانب نفسه من طبيعة دعوته لا في أفق الحوادث، فهل يتفق له في مثل هذه الظروف أن يربو في نفسه الأمل حتى يصير حكمًا قاطعًا؟ وهبه امتلأ رجاء بظهور دعوته في حياته ما دام يتعهدها بنفسه فمن يتكفل له بعد موته ببقاء هذه الدعوة وحمايتها وسط أمواج المستقبل العاتية؟ وكيف يجيئه في ذلك اليقين وهو يعلم من عبر الزمان ما يفت في عضد هذا اليقين؟ فكم من مصلح صرخ بصيحات الإصلاح فما لبثت أصواته أن ذهبت أدراج الرياح وكم من نبي قتل وكم من كتاب انتقص أو بدل.
فلا بد إذًا من كفيل بهذا الحفظ من خارج نفسه ومن ذا الذي يملك هذا الضمان على الدهر المتقلب المملوء بالمفاجآت إلا رب الدهر الذي بيده زمام الحوادث كلها والذي قدر مبدأها ومنتهاها وأحاط علمًا بمجراها ومرساها فلولا فضل الله ورحمته لمَا استطاع القرآن أن يقاوم تلك الحروب العنيفة التي أقيمت ولا تزال تقام عليه بين آن وآن.
سل التاريخ: كم مرة تسلط الفجار على المسلمين فأثخنوا فيهم القتل وأكرهوا أُمَمًا منهم على الكفر وأحرقوا الكتب وهدموا المساجد وصنعوا ما كان يكفي القليل منه لضياع القرآن كلًّا أو بعضًا كما فعل بالكتب قبله لولا أن يد العناية تحرسه فبقي في وسط هذه المعامع رافعًا راياته وأعلامه حافظًا آياته وأحكامه، ذلك بأن الذي يمسكه أن يزول هو الذي يمسك السماوات و الأرض أن تزولا، ذلك بأن الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ والله بالغ أمره ومُتم نوره فظهر وسيبقى ظاهرًا لا يضيره من خالفه حتى يأتي أمر الله([1]).

([1]) النبأ العظيم (42)

SeIfElLaH
10-12-2015, 09:31 PM
انتظام آيات السور رغم تعدد النجوم
وتباعد ما بينها

بقي القرآن الكريم يتنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم منجمًا (أي مفرقًا) في مدة ثلاث وعشرين سنة، فلما تمَّ تمَّ مترابطًا محكمًا لا متنافرًا متباعدًا.

قال الزرقاني رحمه الله تعالى: الإرشاد إلى مصدر القرآن وأنه كلام الله وحده وأنه لا يمكن أن يكون كلام محمد صلى الله عليه وسلم ولا كلام مخلوق سواه وبيان ذلك أن القرآن الكريم نقرؤ ه من أوله إلى آخره، فإذا هو محكم السرد دقيق السبك قوي الاتصال آخذ بعضهم برقاب بعض في سورة وآياته وجمله، يجري دم الإعجاز فيه كله من ألفه إلى يائه كأنه سبيكة واحدة ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك ولا تخاذل كأنه سمط وحيد وعقد فريد يأخذ بالأبصار نظمت حروفه وكلماته ونسقتت جمله وآياته, وهنا نتساءل: كيف اتسق للقرآن هذا التأليف المعجز؟ وكيف استقام له هذا التناسق المدهش؟ على حين أنه لم يتنزل جملة واحدة بل تنزل آحادًا مفرقة تفرق الوقائع والحوادث في أكثر من عشرين عامًا؟

الجواب: أننا نلمح هنا سرًّا جديدًا من أسرار الإعجاز و نشهد سمة فذَّة من سمات الربوبية ونقرأ دليلًا ساطعًا على مصدر القرآن وأنه كلام الواحد الديان ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.

وإلا فحدثني -بربك- كيف تستطيع أنت أم كيف يستطيع الخلق جميعًا أن يأتوا بكتاب محككم الاتصال والترابط متبين النسج والسرد متآلف البدايات والنهايات مع خضوعه في التأليف لعوامل خارجة عن مقدور البشر؟ وهي وقائع الزمن وأحداثه التي يجيء كل جزء من هذا الكتاب تبعًا لها ومتحدثًا عنها سببًا بعد سبب وداعية بعد داعية مع اختلاف ما بين هذه الدواعي وتغاير ما بين تلك الأسباب ومع تراخي زمان هذا التأليف وتطاول آماد النجوم إلى أكثر من عشرين عامًا.

لا ريب أن هذا الانفصال الزماني وذاك الاختلاف الملحوظ بين هاتيك الدواعي يستلزمان في مجرى العادة الفكك والانحلال ولا يدعان مجالا للارباط والاتصال بين نجوم هذا الكلام.

أما القرآن الكريم فقد خرق العادة في هذه الناحية أيضًا: نزل مفرقًا منجمًا ولكنه تم مترابطًا محكمًا وتفرقت نجومه تفرق الأسباب و لكن اجتمع نظمه اجتماع شمل الأحباب ولم يتكامل نزوله إلا بعد عشرين عامًا ولكن تكامل انسجامه بداية وختامًا !

أليس ذلك برهانًا ساطعًا على أنه كلام خالق القوي والقدر ومالك الأسباب والمسببات ومدبر الخلق والكائنات وقيُّوم الأرض و السماوات العليم بما كان سيكون الخبير بالزمان وما يحدث فيه من شئون ؟

لاحظ فوق ما أسلفنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت عليه آية قال: «ضعوها في مكان كذا من سورة كذا» وهو بشر لا يدري (طبعًا) ما ستجيء به الأيام ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزمان ولا يدرك ما سيحدث من الدواعي والأحداث فضلًا عما سينزل من الله فيها وهكذا يمضي العمر الطويل والرسول على هذا العهد يأتيه الوحي بالقرآن نجمًا بعد نجم، وإذا القرآن كله بعد هذا العمر الطويل يكمل ويتم وينتظم ويتآخى ويأتلف ويلتئم ولا يؤخذ عليه أدنى تخاذل ولا تفاوت بل يعجز الخلق طرءًا بما فيه من انسجام ووحدة وترابط ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.

إذًا فالقرآن الكريم ينطق نزوله منجمًا بأنه كلام الله وحده، وتلك حكمة جليلة الشأن تدل الخلق على الحق في مصدر القرآن.

﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا *﴾ انتهى ملخصًا([1]).
([1]) مناهل العرفان (1/55).

SeIfElLaH
10-12-2015, 09:34 PM
اختلاف أسلوب القرآن عن أسلوب الحديث

ورثنا كلام الله تعالى (القرآن) وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحديث) فما وجدنا بينهما في الأسلوب شبهًا ولا تقاربًا، بل وجدنا الأسلوب القرآني ضربًا وحده، ووجدنا الحديث النبوي ضربًا وحده، فلو كان القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم للزم التشابه أو حتى التقارب بين القرآن والحديث، خاصة وقد لبث ثلاثًا وعشرين عامًا يتلو هذا القرآن العظيم ويتكلم بالكلام المحمدي فلما رأينا البعد في الأسلوب بينهما ازددنا يقينًا بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه ﴿مَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

كذلك لو كان محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي أتى بالقرآن من تلقاء نفسه لاستطاع أن يأتي بمثله أو بسورة من مثله ولو قصرت من هو أشبه الناس به طبعًا وأكثرهم له مصاحبة ولكن شيئًا من هذا لم يحدث، فلذلك سلمنا بنبوته صلى الله عليه وسلم ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.

SeIfElLaH
10-12-2015, 09:35 PM
امتناع اليهود من تمني الموت

وذلك أن اليهود عليهم لعائن الله تعالى كانوا يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنهم هم أهل الجنة وأن من عداهم من أهل النار، فلما بعث الله عزَّ وجلَّ نبيه صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق استكبروا وكذبوا واتبعوا أهواءهم، وهم إذ ذاك يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر الله جلَّ ثناؤه ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ فأمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم كما أخبر ابن جرير رحمه الله أن يقول لفريق اليهود: إن كنتم محقين فتمنوا الموت فإن ذلك غير ضاركم إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا والفوز بجوار الله في جناته إن كان الأمر كما تزعمون، فامتنعت اليهود من إجابته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك لعلمها أنها إن تمنت الموت هلكت فذهبت دنياها وصارت إلى خزي مقيم وعذاب أليم، فلما تأخروا ظهر كذب أحبارهم ووضع ضلال علمائهم.

ومثل هذا التحدِّي لا يمكن أن يصدر عن متقول و مثل هذا النكوص لا يكون من أُمَّة كتابية إلا أن تكون قد استيقنت بأن هذا المتحدي هو النبي الأُمِّي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، وظلت اليهود باقية على الامتناع فلم يقع تمني الموت ممن سلف منهم ولا خلف، كلهم يأبى تمني الموت, وهذا هو الإعجاز المستمر.

قال الله عزَّ وجلَّ في سورة البقرة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.

SeIfElLaH
10-12-2015, 09:38 PM
امتنع نصارى نجران من الملاعنة
وكان من أمرهم أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: قد أسلمنا قبلك، وكذبوا فقد منعهم من الإسلام دعاؤهم لله الولد وعبادتهم الصليب وأكلهم الخنزير، وبلغ بهم العناد والجهل والاستكبار والغلو في عيسى بن مريم عليه السلام أن قالوا: فمن أبوه يا محمد؟ فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها ومن ذلك قوله عزَّ وجلَّ.
﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ * إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة إلى المباهلة إن ردُّوا ذلك عليه فجنحوا للسلم وبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون فضربها عليهم.
روى البخاري في الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه قال: جاء العاقب والسيد صاحب نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلعناه قال: فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل فوالله لئن كان نبيًا فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلًا أمينا فقال: «لأبعثن معكم رجلا أمينًا حق أمين» فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح» فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذا أمين هذه الأمة»([1]).
وهذا من الإعجاز الباهر إذ أنهم لما نكلوا عن المباهلة وخافوا العواقب من جراء ذلك علم كذبهم وظهر ضلالهم؛ لأنهم لو كانوا جازمين أنهم على الحق وأن محمدًا مفترٍ كذاب لكانوا أقدموا على المباهلة، فلله الحمد ملء السماوات وملء الأرض الذي هدانا للإسلام وجعلنا من المسلمين، يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو العلي العظيم
([1]) الفتح (9/157).

SeIfElLaH
10-14-2015, 10:23 PM
الدقة في ذكر أخبار الأنبياء عليهم السلام
وما جري لهم مع أممهم([1])

لقد علم كل أحد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ظهر في مكة واشتهر بالأُمية فلم يكن يتلو شيئًا من الكتاب فيتعلم بذلك ما يمكن تعلم من أخبار الأمم المتقدمة ولم يكن يكتب بيده هذه الأخبار فيقدم ويؤخر ليخرجها أخيرًا بأسلوب جديد وكتاب فريد اسمه القرآن. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.

أليس يكفي إذًا للإقرار بنبوة من هذه حاله من الأُمية أن يقول وهو الذي اشتهر بالصدق والأمانة حتى سمي بالصادق الأمين قبل مبعثه: أن الله اصطفاه وبعثه للناس رسولا ويأتي بكلام لم يعهد أنه تكلم به في ما مضى من حياته ويذكر مجمل ما جرى من قصص الأولين وما جرى لهم مع أنبيائهم وحوادث طوفان نوح وريح هود وناقة صالح وغير ذلك من الأحداث بتفصيل دقيق حتى إنه ليذكر عن أهل الكهف أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا, وعند أهل الكتاب أنهم لبثوا في الكهف ثلاثمائة سنة وهذه السنون التسع هي الفرق بين عدد السنين الشمسية عند أهل الكتاب والقمرية عند العرب. والذي نفسي بيده لو لم يكن من علامات نبوته إلا هذه لكفى وزاد عن الكفاية فتعسًا لمن لا يستجيب.
﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
([1]) إن شئت فاقرأ من القرآن الكريم سورة الأعراف أو سورة هود أو سورة مريم.

SeIfElLaH
10-16-2015, 12:06 PM
ما في القرآن من العلوم والمعارف التي يستحيل
على الأُميين الإحاطة بها

قال الزرقاني رحمه الله: وبيان ذلك أن القرآن قد اشتمل على علوم ومعارف في هداية الخلق إلى الحق، بلغت من نبالة القصد ونصاعة الحجة وحسن الأثر وعموم النفع مبلغًا يستحيل على محمد وهو رجل أمي نشأ بين الأميين أن يأتي بها من عند نفسه بل يستحيل على أهل الأرض جميعًا من علماء وأدباء وفلاسفة ومشترعين وأخلاقيين أن يأتوا من تلقاء أنفسهم بمثلها.

هذا هو التنزيل الحكيم، تقرؤه فإذا بحر العلوم والمعارف متلاطم زاخر وإذا روح الإصلاح فيه قوي قاهر، ثم إذا هو يجمع الكمال من أطرافه، فبينما تراه يصلح ما أفسده الفلاسفة بفلسفتهم إذ تراه يهدم ما تردى فيه الوثنيون بشركهم وبينما تراه يصحح ما حرفه أهل الأديان في دياناتهم إذ تراه يقدم للإنسانية مزيجًا صالحًا من عقيدة راشدة ترفع همَّة العبد، وعبادة قويمة تطهر نفس الإنسان، وأخلاق عالية تؤهل المرء لأن يكون خليفة الله في الأرض، وأحكام شخصية ومدنية واجتماعية تكفل حياة المجتمع من الفوضى والفساد وتضمن له حياة الطمأنينة والنظام والسلام والسعادة... دينًا قيمًا يساوق الفطرة ويوائم الطبيعة ويشبع حاجات القلب والعقل، ويوفق بين مطالب الروح والجسد ويؤلف بين مصالح الدين والدنيا، ويجمع بين عزِّ الآخرة والأولى، كل ذلك في قصد واعتدال وببراهين واضحة مقنعة تبهر العقل وتملك اللب. والكلام على هذه التفاصيل يستنفذ مجلدًا بل مجلدات فلنجتزئ هنا بأمثلة وإشارات، ولنخترها في موضوع العقائد التي هي واحدة في جميع أديان الله بحسب أصلها قبل التحريف، ولنتعرض في هذه الأمثلة إلى شيء من المقارنة بين تعاليم الإسلام وتعاليم اليهود والنصارى على عهد نزوله، ثم إلى شيء من ردِّ القرآن عليهم وتصحيحه لأغلاطهم وفضحه لأباطيلهم, ومقصدنا من هذا قطع ألسنة خراصة، زعم أصحابها أن تعاليم القرآن استمدها محمد من بعض أهل الكتاب في عصره ثم نسبها إلى ربِّه ليستمد من هذه النسبة قُدسيتها ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.

SeIfElLaH
10-16-2015, 01:43 PM
أ- أمثلة من عقيدة الإيمان بالله:
1-جاء القرآن بالعقيدة في الله بيضاء نقية, نزهه فيها عن جميع النقائص ونص على استحالة الولد وكل ما يشعر بمشابهة الخالق بالمخلوق ووصف الله بالكمال المطلق ونص على وحدانيته في ربوبيته ووحدانيته في ألوهيته، بمعنى أنه أحد في تدبير خلقه واحد في استحقاقه العبادة دون غيره.
ألم تر أنه يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ويقول: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. ويقول: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾. ويقول: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ويقول: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. ويقول: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. ويقول: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. ويقول: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾. ويقول: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. ويقول: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ إلى غير ذلك وهو جد كثير.
2- وضلَّ اليهود بعد موسى فعبدوا بعلا، وزعموا في عهد من عهودهم أن لله ابنا، وشبهوا الله تعالى بالإنسان فنعتوه بأنه تعب من خلق السماوات والأرض فاستراح يوم السبت، وركبوا رؤوسهم فقالوا أنه سبحانه ظهر في شكل إنسان وصارع إسرائيل فلم يقدر على التفلت منه حتى باركه فأطلقه، إلى غير ذلك من أغلاطهم وفضائحهم.
3- وضلَّ النصارى بعد عيسى، فذهبوا إلى عقيدة معقدة من التثليث وصارت كنائسهم من عهد قسطنطين كهياكل الوثنية الأولى وخلعوا على رجال كهنوتهم ما هو حقٌّ الله وحده من التشريع والتحليل والتحريم، حتى تعزى بهم وثنيو العرب ورأوا أنهم أمثل من هؤلاء المسيحيين في الوثنية.
﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾.
ثم احتجوا على شركهم بأنهم ما سمعوا دعوة التوحيد الذي جاء به الإسلام في الملة الآخرة.
﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾ أي النصرانية.
4- فانظر مدى البون الشاسع بين الحق الذي جاء به القرآن في هذا الباب، وبين الباطل الذي جاء به هؤلاء وهؤلاء، على أن كتاب الله لم يكتف بذلك، بل ردَّ على أولئك المبطلين ببراهينه الساطعة وأدلته القاطعة استمع إليه وهو يقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. ويقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾. ويقول: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. ويقول: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ويقول في نفي التعب الذي افتراه اليهود على الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. ويقول نعيا عليهم في فرية أخرى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. ويقول في نفي البنوة التي زعموها لله هم والنصارى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.

SeIfElLaH
10-16-2015, 01:47 PM
ب- أمثلة من عقيدة البعث والجزاء:
1- جاء القرآن بعقيدة البعث بعد الموت واضحة شاملة للروح والجسد، عادلة لا ظلم فيها ولا محاباة، مقسطة لا شفاعة هناك بالمعنى الفاسد ولا فداء، عامة لا فضل لجنس ولا لطائفة ولا لشخص إلا بالتقوى. اقرأ إن شئت قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾. وقوله:﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى *﴾. وقوله:﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *﴾. وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
2- وضلَّ اليهود فزعموا أنهم الشعب المختار من بين شعوب الأرض، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة هي مدة عبادتهم العجل أربعين يومًا.
3- وضلَّ النصارى فزعموا أيضًا أنهم أبناء الله وأحباؤه وذهبوا في المسيح مذهب الهنود في كرشنة أنه قتل وصلب ليخلص الإنسان ويفديه من الخطيئة فهو المخلص الفادي الذي يخلص الناس من عقوبة الخطايا ويفديهم بنفسه، وهو الأقنوم الثاني من الثالوث الإلهي الذي هو عين الأول والثالث وكل منهما عين الأخير. كذلك قال الهنود في كرشنة، ثم جاء مُخرِّفة النصارى فتابعوهم على هذا الخيال الفاسد، الذي تأباه العقول والطباع، ولا يتفق وعدل الله وحكمته في الجزاء والمسئولية، ولم يستطع الخابطون في هذا الضلال أن يروجوه في ضحاياهم إلا بترويضهم عليه من عهد الصغر، وتنشئتهم على سماعه واعتقاده من غير بحث ولا نظر، بل قالوا: "اعتقد وأنت أعمى".
4- وضلَّ نساك النصارى فتابعوا الهنود أيضًا في احتقار اللذات المادية، وفي تربية النفوس على الحرمان وتعذيب الجسد، وزادوا الطين بلة فقالوا: إن البعث روحاني مجرد عن إعادة الجسم، مخدوعين بتلك النظرية الفلسفية الخاطئة وهي احتقار اللذات المادية وذمهم إياها بأنها حيوانية، وغاب عنهم أنها لا تكون نقصًا إلا إذا سخر الإنسان عقله وقواه لها وأسرف فيها إسرافًا يشغله عن اللذات العقلية والروحية القائمة على العلم النافع والعمل الصالح، أما إذا اعتدل فيها ووفق بين المطالب الروحية والجسمية، فتلك مفخرة للإنسان وميزة لنوع الإنسان بها صار عالمًا عجيبًا جمع بين روحانية الملائكة وجثمانية الحيوان والنبات، وقد خلقه الله في الدنيا مظهرًا من مظاهر إبداعه واقتداره، فكيف ينقص ملكوت الآخرة هذا المظهر العجيب، على حين أن الآخرة هي دار العجائب والغرائب فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ؟ ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ([1]) لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
5- وكذلك ضلَّ متطرفة اليهود فعكسوا الأمر، وأفرطوا في حب المادة حتى أحلُّوا لأنفسهم جمعها من أي طريق، وبالغوا في استنزاف دماء العالم في الربا وأكل أموال الناس بالباطل وظنوا أن لا جناح عليهم إذا رزءوا أي عنصر غريب عنهم. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾.
6- ولكن القرآن قد جاء يردُّ هؤلاء وهؤلاء إلى جادة الاعتدال، ووقف موقفًا وسطًا يرجع إليه الغالي وينتهي إليه المقصر، فأعلن عقيدته في وضوح على نحو ما ذكرنا، وتناول أخطاءهم المذكورة بالإصلاح والتقويم, فقال في معرض الردِّ على أنهم الشعب المختار: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. وقال في هذا المعرض أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وقال أيضًا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا([2])﴾.
وقال في معرض الرد على أنهم أبناء الله وأحباؤه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
وقال في تفنيذ ما زعموه من أن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *﴾.
وقال في تكذيب ما زعموا من قتل عيسى وصلبه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾.
وقال في دحض عقيدة الفداء: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ *﴾.
وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
ونزلت سورة المسد تسجل العذاب على عمٍّ من أعمام أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وذكر القرآن ما ذكر في ابن نوح ولم يطب القرآن نفسًا بضلالة "اعتقد وأنت أعمى" بل حثَّ على النظر والتفكر وحاكم العقائد والتعاليم الإسلامية إلى العقول السليمة، ونعى على المقلدين تقليدًا أعمى والأمر في هذا أظهر من أن تساق له الأمثلة.
وعالج القرآن شبهة احتقار اللذات المادية بالمعنى الذي أرادوه فقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.
وذمَّ الرهبانية ومبتدعيها فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾.
وعاب على اليهود خيانتهم وظلمهم للشعوب فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.
وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *﴾
([1]) الحيوان: أي دار الحياة الدائمة التي لا زوال لها ولا انقضاء ولا يموت أهلها ولا يسقمون ولا يحزنون ولا يهرمون بل هم أبدًا في نعيم مقيم.
([2]) النقير: نكتة في ظهر النواة منها تنبت النخلة.

SeIfElLaH
10-16-2015, 01:50 PM
إلى غير ذلك من آيات كثيرة في هذه المواضيع.
والذي نريد أن تفطن له هنا، هو أن هداية القرآن كما رأيت هداية تامة عامة صححت معارف الفلاسفة المنكبين، على البحث والنظر كما صححت معارف الأُميين ومن لا ينتمي إلى العلم بسبب، وصححت أغلاط أهل الكتاب من يهود ونصارى، كما صححت أغلاط مؤلهة الحجر وعبدة الوثن وإذن فليس يصح في الأذهان شيء إذا قيل: إن هذه الهدايات القرآنية ليست وحيًا من الله وإنما هي نابعة من نفس محمد الأُمي الناشيء في الأُميين وليس يصح في الأذهان شيء إذا قيل أنه صلى الله عليه وسلم قد استقى هذه الهدايات من بعض أهل الكتاب الذين لقيهم في الجزيرة العربية، ولو صحَّ هذا لكانوا هم أولى منه بدعوى الرسالة والنبوة، وكيف يصح هذا والقرآن هو الذي علمهم ما جهلوا من حقائق دينهم؟ وهل فاقد الشيء يعطيه؟ وحسبك ما قدمناه لك من تلك الأمثلة التي تتصل بأساس الأديان وصميم العقائد والتي تُريك بالمنظار المُكبِّر أن القرآن جالس على كرسي الأستاذية العليا للعالم كله يعلم اليهود والنصارى وغير اليهود والنصارى، لا على معقد التلمذة الدنيا يتلقف من هؤلاء وهؤلاء.
فإن لم يكفك ما سمعت، فدونك القرآن تصفحه وتجول في آفاقه وناهيك مثل قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
ومثل قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وإن شئت أكثر من هذا فتأمل كيف أعلن الحق في صراحة أن بيانه لأهل الكتاب ما اختلفوا فيه هو من مقاصده الأولى إذ قال في سورة النحل: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
هكذا قدم أنه بيان لما اختلف فيه الكتابيون قبل أن يقول: وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. وكذلك قال في سورة النحل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
لقد لفت القرآن نفسه أنظار الناس إلى هذه الناحية من الإعجاز وأقام الدليل على أنه كلام الله ولا يمكن أن يكون كلام محمد، إذ قال جلَّت حكمته في سورة العنكبوت: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ *﴾.
وقال سبحانه مرة أخرى في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾([1]).
([1]) مناهل العرفان (2/238/246).

SeIfElLaH
10-20-2015, 09:51 PM
النبوءات القرآنية تتحقق طبق ما جاء سواء بسواء
تحقق وعد الله عزَّ وجلَّ بظهور الروم على الفرس في بضع سنين قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَلم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وهذا الوعد وقع كما أخبر به الباري جلت قدرته وذلك أنه لمَّا غلبت فارس الروم فرح المشركون واغتم بذلك المسلمون لأن النصارى أقرب إلى الإسلام من المجوس فأخبر الله عزَّ وجلَّ رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الروم ستغلب الفرس بعد هذه المدة في أقل من تسع سنين وكان من أمر مراهنة الصديق رضي الله عنه رؤوس المشركين على أن ذلك سيقع في هذه المدة ما هو مشهور ومبسوط في كتب التفسير فوقع الأمر كما أخبر به الله تعالى، غلبت الروم فارس بعد غلبهم غلبًا عظيمًا جدًا وأسلم عند ذلك ناس كثير. فسبحان الله علَّام الغيوب, ولله الحمد والمنة.
ولقد كان الإخبار بهذا النصر وبأنه كائن في وقت معين إخبارًا بأمرين كل منهما خارج عن متناول الظنون وإحاطة العلماء والأُميين، ذلك أن دولة الروم كانت قد بلغت من الضعف حدًا يكفي من دلائله أنها غُزيت في عُقر دارها وهُزمت في بلادها فغلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم واضطر هرقل ملك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية وحصره فيها مدة طويلة فلم يكن أحد يظن أنها تقوم لها بعد ذلك قائمة فضلًا عن أن يحدد الوقت الذي سيكون لها فيها النصر ولذلك كذب به المشركون وتراهنوا على تكذيبه، على أن القرآن لم يكتف بهذين الوعدين بل عززهما بثالث حيث يقول: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
إشارة إلى أن اليوم الذي يكون فيه النصر هنالك للروم على الفرس سيقع فيه ها هنا نصر للمسلمين على المشركين وإذا كان كل واحد من النصرين في حد ذاته مستبعدًا عند الناس أشد الاستبعاد فكيف بالظن بوقوعهما مقترنين في يوم؟ لذلك أكده تعالى أعظم التأكيد بقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
ولقد صدق الله عزَّ وجلَّ وعده فتمَّت للروم الغلبة على الفرس بإجماع المؤرخين في أقل من تسع سنين, وكان يوم نصرها هو اليوم الذي وقع فيه النصر للمسلمين على المشركين في غزوة بدر الكبرى كما رواه الترمذي عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: «لمَّا كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس» فلله الحمد والمنة ولله الأمر من قبل ومن بعد وسبحان الله علَّام الغيوب.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾.
يقول المؤرخ إدوارد جيبون في كتابه "تاريخ سقوط واندحار الأمبرواطورية الرومانية".
"في ذلك الوقت حين تنبأ القرآن بهذه النبوءة لم تكن آية نبوءة يظن أنها أبعد وقوعًا منها لأن السنين الإثنتي عشرة الأولى من حكومة هرقل كانت تؤذن بانتهاء الإمبراطورية الرومانية"([1]).
([1]) الإسلام يتحدى (201).

SeIfElLaH
10-20-2015, 09:53 PM
تحقق وعد الله عزَّ وجلَّ بموت أبي لهب
وامرأته على الكفر

قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ *﴾ فأخبر أن عمَّه عبد العزى بن عبد المطلب الملقب بأبي لهب سيدخل النار هو وامرأته فقدَّر الله عزَّ وجلَّ أنهما ماتا على شركهما لم يسلما حتى ولا ظاهرًا وهذا من دلائل النبوة الباهرة إذ أنه أمر من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا مُقدِّر الأقدار.

SeIfElLaH
10-20-2015, 09:56 PM
تحقق وعد الله عزَّ وجلَّ بهزيمة جمع المشركين في بدر

قال تعالى في سورة القمر وهي مكية: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾.

ووقع هذا يوم بدر وقد تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج من العريش قبل المعركة ورماهم بقبضة من الحصباء فكان النصر والظفر فلله الحمد والمنة، وفي هذا اليوم استجاب الله عزَّ وجلَّ لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجل، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مدَّ يديه فجعل يهتف بربه:
«اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض».

فما زوال يهتف بربِّه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.

فأمدَّه الله بالملائكة، قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم([1]) فنظر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقيًا فنظر إليه فإذا هو قد خُطِّم([2]) أنفه وشقَّ وجهه كضربة السوط فأخضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدَّث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة» فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين([3]) والحمد لله رب العالمين.
([1]) حيزوم: اسم فرس الملك.
([2]) خطم: أي وسم.
([3]) صحيح مسلم (12/86).

SeIfElLaH
10-20-2015, 09:57 PM
تحقق وعد الله عزَّ وجلَّ النبي صلى الله عليه وسلم بدخول المسجد الحرام

قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.

فكان هذا الوعد في سَنة الحديبية عام ستٍّ ووقع إنجازه في سنة سبع عام عمرة القضاء. فلله الحمد والمنة وسبحان الله علَّام الغيوب.

SeIfElLaH
10-31-2015, 02:04 PM
تحقق وعد الله عزَّ وجلَّ باستخلاف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الأرض

قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾.

قال ابن كثير: ولقد صدق الله عزَّ وجلَّ وعده فإنه صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة رحمه الله وأكرمه ثم لمَّا مات رسول الله واختار الله له ما عنده من الكرامة قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق فلم شعث ما وَهَى بعد موته صلى الله عليه وسلم وأخذ جزيرة العرب ومهدها وبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس صحبه خالد بن الوليد رضي الله عنه ففتحوا طرفًا منها وقتلوا خلقًا من أهلها، وجيشًا آخر صحبه أبي عبيدة رضي الله عنه ومن اتَّبعه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثًا صحبه عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفها من بلاد حوران وما والاها, وتوفاه الله عزَّ وجلَّ واختار له ما عنده من الكرامة ومن على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق, فقام بالأمر بعده قيامًا تامًا, فتمَّ في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها, وديار مصر إلى آخرها, وأكثر إقليم فارس, وكسر كسري وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته وقَصَم قيصر وانتُزع يده عن بلاد الشام واضطَّره إلى القسطنطينية وأُنفق أموالها في سبيل الله كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده, وإذا هلك كسرى فلا كسري بعده، والذي نفسي بيده لتُنفقن كنوزهما في سبيل الله».
ثم لمَّا كانت خلافة عثمان رضي الله عنه امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها ففتحت بلاد المغرب بما فيها القيروان وبلاد سبتة (المغرب) والأندلس ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية وفتحت مدائن العراق وخارسان والأهواز.

فانظر يا عبد الله, كيف جاء تأويل الآية على أوسع معانيها في عصر الصحابة أنفسهم الذين وقع لهم خطاب المشافهة في قوله جلت قدرته (منكم) فبدلوا من بعد خوفهم أمنًا لا خوف فيه واستخلفوا في أقطار الأرض فورثوا مشارقها ومغاربها وهذا من علامات النبوة الباهرة المؤيدة لصدق النبي صلى الله عليه وسلم فتعسًا لمن لا يعتبر.

SeIfElLaH
10-31-2015, 02:07 PM
تحقق وعد الله عزَّ وجلَّ للنبي صلى الله عليه وسلم بالنصر والتمكين
قال تعالى:﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.
ولم تمض على هذه البُشرى أيام طويلة حتى وجد المسلمون الجزيرة العربية كلها تحت أقدامهم, فقد انتصرت أقلية ضئيلة لا تملك الخيول ولا الأسلحة على أعداء يملكون الجيوش الجرَّارة والعُدَّة والعتاد، وعَمَّ هذا الدين وغلب على سائر الأديان, وعلت كلمته في زمن الصحابة ومن بعدهم وذلت لهم أكثر البلاد ودان لهم جميع أهلها على اختلاف أصنافهم, وصار الناس إمَّا مؤممن داخل في الدين أو مُهادن باذل الطاعة والمال أو محارب خائف وجل من سطوة الإسلام وأهله.

SeIfElLaH
10-31-2015, 02:10 PM
تحقق وعد الله عزَّ وجلَّ للمؤمنين بالاستغناء بما شرعه لهم من قتال أهل الكتاب وغيرهم

قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.

وهكذا وقع, عوضهم الله عمَّا كان يغدوا إليهم مع حجاج المشركين بما شرعه لهم من قتال أهل الكتاب وغيرهم, وضرب الجزية عليهم وسلب أموال من قتل منهم على كفره كما وقع بكفار أهل الشام من الروم ومجوس الفرس بالعراق وغيرها من البلدان التي انتشر الإسلام على أرجائها, حتى أتى على المسلمين يوم يخرج أحدهم بالصدقة فلا يجد محتاجًا يقبلها.

SeIfElLaH
10-31-2015, 02:15 PM
تحقق وعد الله عزَّ وجلَّ بإيمان الناس -إلا من شاء له الضلالة- بما أظهر من الآيات على إثبات الرسالة

قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.

وكذلك وقع، أظهر الله من آياته ودلائله في أنفس البشر وفي الآفاق بما أوقعه من البأس بأعداء النبوة ومخالفي الشرع, ممن كذب به من أهل الكتابين والمشركين والمجوس, وما تبيَّن من الآيات العلمية الكثيرة المبثوثة في القرآن والسنة ما دلَّ ذوي البصائر والنهى على أن محمدًا رسول الله حقًا, وأن ما جاء به من الوحي عن الله عزَّ وجلَّ صدق.

الآيات الكونية في القرآن والتي تُصدقها الأبحاث العلمية الحديثة تجزم بأن هذا الكتاب المقدس مُوحى من عند الله عزَّ وجلَّ.

وأما الأمر الثانيالذي ييستحيل الوصول إليه عن طريق الذكاء الفطري والبصيرة النافذة, فهو الأمور العلمية المبثوثة في القرآن الكريم والتي برز صدق هذا الكتاب المقدس, وتجزم بشكل تام أنه مُوحى من عند الله عزَّ وجلَّ، وعلى الرغم من نزول القرآن قبل قرون كثيرة من عصر العلوم الحديثة فإن أحدًا لم يتمكن من إثبات أية أخطاء علمية فيه، ولو أنه كان كلامًا بشريًا لكان هذا ضربًا من المستحيل خاصة وأن أفكار الناس في زمن محمد صلى الله عليه وسلم عن الكون وفروع العلم الأخرى ستبدوا لغوًا باطلًا لو درسناها في ضوء معلومات العصر الحاضر.

SeIfElLaH
11-07-2015, 07:42 PM
أخباره عزَّ وجلَّ أن الكون كان منظمًا متماسكًا ثم بدأ يتمدد في الفضاء
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾([1]).
فالكون بناءً على تفسير هذه الآيات كان منضمًا ومتماسكًا, ثم يتمدد في الفضاء, وهذه هي النظرية العلمية الحديثة عن الكون, فقد توصل العلماء خلال أبحاثهم ومشاهداتهم لمظاهر الكون إلى أن "المادة" كانت جامدة وساكنة في أول الأمر وكانت في صورة غاز ساخن كثيف متماسك وقد حدث انفجار شديد في هذه المادة قبل 5.000.000.000.000 سَنة على الأقل, فبدأت المادة تتمدد وتتباعد أطرافها, ونتيجة لهذا أصبح تحرك المادة أمرًا حتميًا لا بد من استمراره طبقًا لقوانين الطبيعة التي تقول: إن قوة الجاذبية في هذه الأجزاء من المادة تقل تدريجيًا بسبب تباعدها ومن ثم تتسع المسافة بينها بصورة ملحوظة([2]) ولعل في ذلك تفسيرًا لآية كونية وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي أن الله عزَّ وجلَّ جعل السماء واسعة، أو أنه يوسع ويزيد فيها. والله أعلم.
([1]) الرتق: المنضم الأجزاء.
([2]) الإسلام يتحدى (214).

SeIfElLaH
11-07-2015, 07:44 PM
إخباره عزَّ وجلَّ أن كلاًّ من الليل والنهار يطلب الآخر طلبًا سريعًا

قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ أي أن كلا من الليل والنهار يطلب الآخر طلبًا سريعًا أي يعقبه دون فاصل, وتحوي هذه الآية الكريمة إشارة رائعة إلى دوران الأرض محوريًا, وهو الدوران الذي يعتبر سبب مجيء الليل والنهار طبقًا لمعلوماتنا الحديثة, كذلك قال تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾. وقال تعالى أيضًا: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. وقال عزَّ وجلَّ أيضًا: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.

قال رجل الفضاء الروسي "جاجارين" بعد دورانه في الفضاء حول الأرض: إنه شاهد تعاقبًا سريعًا Rapid Succession للظلام والنور على سطح الأرض بسبب دورانها المحوري حول الأرض([1]).
([1]) الإسلام يتحدى: (213).

SeIfElLaH
11-07-2015, 07:47 PM
إخباره عزَّ وجلَّ أنه رفع السموات بعمد غير مرئية -الجاذبية-

قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ وهذه الآية مطابقة لما كان يراه الرجل القديمو فإنه كان يشاهد عالَمًا كبيرًا قائمًا بذاته في الفضاء مكونًا من الشمس والقمر والنجوم, ولكنه لم يرَ لها أية ساريات أو أعمدة, والرجل الحديث يجد في هذه الآية تفسيرًا لمشاهدته التي تثبت أن الأجرام السماوية قائمة دون عمد في الفضاء اللانهائي، بيد أن هنالك "عمدًا غير مرئية" تتمثل في قانون "الجاذبية" وهي التي تساعد كل هذه الأجرام على البقاء في أمكنتها المحددة([1]).

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: وقوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ روى عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد أنهم قالوا: لها عمد ولكن لا تُرى([2]). فانظر إلى اتفاق ذلك التفسير القديم مع ما أثبتته الكشوف العلمية الحديثة.
([1]) الإسلام يتحدى: (212).
([2]) تفسير ابن كثير, سورة الرعد, آية (2).

SeIfElLaH
11-07-2015, 07:49 PM
إخباره عزَّ وجلَّ أن الضغط الجوي
يقل بالارتفاع عن سطح الأرض

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾.

والذي نعلمه اليوم أن غاز "الأوكسجين" الضروري للتنفس والهواء الجوي عمومًا يقل كلمَّا ارتفعنا عن سطح الأرض, ولذلك يشعر الإنسان بالضيق كلمَّا ازداد ارتفاعًا, حتى يصل إلى درجة الاختناق، وفي هذه الآية دلالة من دلائل النبوة وشهادة بأن القرآن من عند ربِّ السماوات والأرض؛ لأن هذا العلم لم يعرفه عالم أو جاهل من ولد آدم في زمن محمد صلى الله عليه وسلم, ولم يُعرف إلا بعد صعود الإنسان في طبقات الجو العليا في العصر الحديث وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.

SeIfElLaH
11-07-2015, 08:29 PM
إخباره عزَّ وجلَّ عن سرعة دوران الأرض

قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.

وهذه والذي نفسي بيده من أعظم الآيات الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم, في أن هذا الكتاب إنما هو كلام الله ليس كلام البشر، وذلك أنه من المعلوم اليوم أن الأرض تدور حول محورها دورة كاملة كل أربع وعشرين ساعة وهذا -والله أعلم- هو الذي أشار إليه الباري سبحانه وتعالى في الآية, وذلك أن الناظر إلى الجبل القريب منه يراه ساكنًا جامدًا لا يتحرك, أمَّا الحقيقة التي يستطيع أن يستيقنها رجل الفضاء فهي: أن هذه الجبال وإن كانت فيما يرى الناظر ساكنة جامدة, فإنها كما يرى هو من عَلٍ تمر مر السحاب. فتبارك الله الذي أحاط بكل شيء علمًا ألا إنه حكيم عليم.

SeIfElLaH
11-07-2015, 08:33 PM
إخباره عزَّ وجلَّ أن الرياح لواقح

قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾.
وبالأمس كان الإنسان القديم يرى السحب تتكاثر ثم تمطر السماء، أمَّا اليوم فمن المعلوم أن تكاثف بخار الماء على شكل قطرات مطر لا يحدث حتى ولو بلغت نسبة الرطوبة في الكتلة الهوائية 400% بدون توفر ذرات ملحية أو ثلجية بالغة الصغر, وأن الرياح هي التي تقوم بنقل هذه الذرات حتى إذا التقت بإذن الله بكتلة هوائية رطبة بدأ التكاثف ثم يهطل المطر، كذلك قوم الرياح ببناء السحابة الرعدية حيث تنقل الهواء الدافئ الشديد الرطوبة من الطبقة الملامسة لسطح الأرض إلى طبقات الجو العليا الشديدة البرودة فيتكاثف ما به من بخار ماء وتتطور السحابة الرعدية ثم يهطل المطر بإذنه تعالى, كذلك تقوم الرياح بنقل حبوب اللقاح من الزهور المُذكَّرة إلى الزهور المُؤنَّثة فحدث الثمرة بإذنه تعالى. وأنى لهذا العلم أن يخطر في عقول الأُميين.

SeIfElLaH
11-07-2015, 08:38 PM
إخباره عزَّ وجلَّ أن الرياح مُبشرات

قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾.

وهذا ما نراه اليوم بواسطة صور الأرض وما يعلوها من سحاب, والتي تبثها الأقمار الصناعية يوميًّا, فنرى المنخفض الجوي وما يتضمنه من السحب الثقال يتكون فوق الجزائر في أقصى الغرب ثم يأخذ في التقدم جهة المشرق مارًّا ببقية شمال إفريقية ثم مصر فالجزيرة العربية ثم بلاد فارس معطيًا هذه المناطق ما قدَّره الله لها من الأمطار, وهكذا يسوق الله عزَّ وجلَّ السحاب الثقال، وهذا ما لم يعلمه الأقدمون، ونحن في شرق شبه الجزيرة العربية تكون السماء خلال فصل الشتاء صافية إذا كانت الرياح شمالية غربية ولكن ما أن يقترب من البلاد منخفض جوي حتى تتحول إلى جنوبية شرقية تتلبد معها السماء بالسحب ثم يهطل المطر, وهذه الرياح هي المبشرة به. فسبحان الله الذي أحاط بكل شيء علمًا.

SeIfElLaH
11-07-2015, 08:40 PM
إخباره عزَّ وجلَّ أن السماء سقف محفوظ

قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. ويحدثنا العلماء اليوم بأن الهواء المتراكم فوق الأرض لو كان أقل ارتفاعًا مما هو عليه, فإن بعض الشهب التي تحترق بالملايين كل يوم في الهواء الخارجي كانت تضرب في جميع أجزاء الكرة الأرضية وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق, ولما كانت السماء سقفًا منيعًا يحفظ الأرض وما فيها من هذه الشهب.

SeIfElLaH
11-07-2015, 08:43 PM
إخباره عزَّ وجلَّ أن السماء سقف محفوظ


قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. ويحدثنا العلماء اليوم بأن الهواء المتراكم فوق الأرض لو كان أقل ارتفاعًا مما هو عليه, فإن بعض الشهب التي تحترق بالملايين كل يوم في الهواء الخارجي كانت تضرب في جميع أجزاء الكرة الأرضية وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق, ولما كانت السماء سقفًا منيعًا يحفظ الأرض وما فيها من هذه الشهب.

SeIfElLaH
11-21-2015, 12:06 PM
إخباره عزَّ وجلَّ أن المسافات بين النجوم عظيمة
قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾.
والإنسان القديم كان يرى القبة السماوية وما فيها من نجوم متراصَّة كأنها المصابيح, ولكن لم يكن يعلم البعد بين كل نجم وآخر, وكم يبلغ حجم هذا الكون، إنه بكل تأكيد لم يدرِ بخلده أن المسافات بين النجوم كما يحدثنا علماء الفلك تبلغ حد الخيال, وهي جديرة بأن يقسم بها الخالق لعظمها, فإن مجموعات النجوم التي تكون أقرب مجرَّات السماء منا تبعد عنا بنحو 700.000 سَنة ضوئية، والسَّنة الضوئية تعادل عشرة ملايين الملايين من الكيلو مترات([1]).
قال أبو الحسن الماوردي رحمه الله في أعلام النبوة: فإذا ثبت إعجاز القرآن من هذه الوجوه كلها صحَّ أن يكون كل واحد منها معجزًا, فإذا جمع القرآن سائرها كان إعجازه أقهر وحِجاجة أظهر وصار كفلق البحر وإحياء الموتى([2]).
قلت: بل هو أعظم من ذلك وأبهر فهو معجزة باقية إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم في حين ذهبت معجزات الرُّسل الأولين وماتت بموتهم.
([1]) الله يتجلى في عصر العلم: (164).
([2]) أعلام النبوة: 73.

SeIfElLaH
11-21-2015, 12:11 PM
معجزات النبي صلى الله عليه وسلم الحسية

المعجزة في حقيقتها هي الحادثة الخارقة للعادة والقوانين التي يُلاحظها الناس, وتسير عليها حوادث الكون يجريها الله تبارك وتعالى تأييدًا لأنبيائه ورسله وحجة على قومهم وذلك من تمام عدله سبحانه وعظيم فضله على الناس، وقد أيد الله عزَّ وجلَّ نبيه صلى الله عليه وسلم بمعجزات جسيمة وخوارق عظيمة أبصرها ونقلها الكثير من الصحابة رضي الله عنهم وإليك بعضًا منها:

SeIfElLaH
11-21-2015, 12:15 PM
إنشقاق القمر بمكة

قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾.

وقد اتفق العلماء على أن انشقاق القمر حدث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد وردت الأحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الأمة, ومن ذلك ما رواه البخاري في الصحيح عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه حدَّثهم أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر([1]).

وروى البخاري في الصحيح أيضًا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة فوق الجبل, وفرقة دونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشهدوا»([2]).
([1]) الفتح (7/444).
([2]) الفتح (10/240).

SeIfElLaH
11-21-2015, 12:20 PM
نبع الماء من بين أصابعه الشريفة صلى الله عليه وسلم

روى البخاري في الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة([1]) فتوضأ فجهش([2]) الناس نحوه فقال: «ما لكم؟» قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك فوضع يديه في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا. قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة([3]).
([1]) الركوة: إناء صغير من جلد يُشرب فيه الماء.
([2]) أي أسرعوا نحوه.
([3]) الفتح (7/398).

SeIfElLaH
11-21-2015, 12:23 PM
هطول المطر فور استسقائه صلى الله عليه وسلم

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أصابت الناس سَنة([1]) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادعُ الله لنا أن يسقينا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وما في السماء من قزعة([2]) قال: فثار السحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، قال: فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى فقام ذلك الأعرابي أو رجل غيره فقال: يا رسول الله تهدَّم البناء وغرق المال فادعُ الله لنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وقال: «اللهم حوالينا ولا علينا» قال: فما جعل يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا تفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة([3]) حتى سال الوادي وادي قناة شهرًا قال: فلم يجيء أحد من ناحية إلا حدَّث بالجود([4]).
([1]) أي قحط.
([2]) أي قطعة رقيقة من السحاب.
([3]) أي الفرجة المستديرة الواسعة والسحاب محيطًا بآفاق المدينة.
([4]) الفتح (3/173) ومسلم (6/194).

SeIfElLaH
11-21-2015, 12:27 PM
تسبيح الطعام وهو يؤكل

روى البخاري في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفًا، كنا مع رسول الله في سفر فقلَّ الماء، فقال: «اطلبوا فضلة من ماء» فجاءوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء ثم قال: «حي على الطهور المبارك والبركة من الله» فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل([1]).
([1]) الفتح (7/403).