المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الناسخ والمنسوخ



كريمان
11-12-2015, 06:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم أعضاء وزوار منتدى الوليد

سنتحدث فى هذا الموضوع عن الناسخ والمنسوخ فى القرآن




☀ التَّرْغِيبُ فِي تَعَلُّمِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ


لعلم الناسخ والمنسوخ منزلةٌ عظيمةٌ في دين الله تعالى، إذ به تُعْرَفُ الشرائعُ، وَيُمَيَزُ بهِ بين الحلال والحرام، وهو السبيل إلى معرفة ما ثبت مما رُفع من الآيات والأحكام، ولا يحل لمن تصدر للفتيا، أو تكلم في التفسير، أو قعد للتعليم أن يغفل عن علم الناسخ والمنسوخ، فإذا خاض في شيء من ذلك ولم يأخذ بنصيبه منه، كان ضرره أعظم من نفعه، فقد يحل حرامًا، ويحرم حلالًا، وَيُوجِبَ عَلَى الْعِبَادِ، ما أسقطه اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ يسقط عَنْهُم مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
لذا شدد السلف رضوان الله عليهم النكير على من تصدر للتدريس والتعليم، وهو يجهل هذا العلم، لما يترتب على ذلك من المحاذير التي أشرنا إليها.


🍒 فعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ: دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَجُلٌ يُخَوِّفُ النَّاسَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: رَجُلٌ يُذَكِّرُ النَّاسَ، فَقَالَ: لَيْسَ بِرَجُلٍ يُذَكِّرُ النَّاسَ وَلَكِنَّهُ يَقُولُ: أَنَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ فَاعْرِفُونِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ :« أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟» فَقَالَ: لَا قَالَ: « فَاخْرُجْ مِنْ مَسْجِدِنَا وَلَا تُذَكِّرْ فِيهِ».


⚡ وهذا الرجل هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ دَاب وَكَانَ صاحبًا لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَقد تحلق النَّاس عَلَيْهِ يسألونه وَهُوَ يخلط الْأَمر بِالنَّهْي وَالْإِبَاحَة بالحظر.


🍒 وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: انْتَهَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى رَجُلٍ يَقُصُّ فَقَالَ:«أَعَلِمْتَ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟» قَالَ: لَا قَالَ:«هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ».


🍒 وَعَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَرَّ بِقَاصٍّ، فَقَالَ:«أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟». قَالَ:لَا قَالَ:«هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ» قَالَ: وَمَرَّ بِآخَرَ قَالَ: «مَا كُنْيَتُكَ؟» قَالَ: أَبُو يَحْيَى قَالَ:«بَلْ أَنْتَ أَبُو اعْرِفُونِي».


🍒 وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى :{وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}. قَالَ: «الْمَعْرِفَةُ بِالْقُرْآنِ نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ وَمُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ وَحَرَامِهِ وَحَلَالِهِ وَأَمْثَالِهِ».


🍒 وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، قَالَ: مَرَّ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا بِقَاصٍّ يَقُصُّ فَرَكَلَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ:« أَتَدْرِي مَا النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟» قَالَ: لَا قَالَ:«هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ».


🍒 وَقَالَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «إِنَّمَا يُفْتِي النَّاسَ أَحَدُ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ يَعْلَمُ مَنْسُوخَ الْقُرْآنِ وَذَلِكَ عُمَرُ، وَرَجُلٌ قَاضٍ لَا يَجِدُ مِنَ الْقَضَاءِ بُدًّا، وَرَجُلٌ مُتَكَلِّفٌ فَلَسْتُ بِالرَّجُلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ وَأَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ الثَّالِثَ».


🍒 وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: سُئِلَ حُذَيْفَةُ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ:" إِنَّمَا يُفْتِي أَحَدُ ثَلَاثَةَ: مَنْ عَرَفَ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ "، قَالُوا: وَمَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَوْ رَجُلٌ وَلِيَ سُلْطَانًا فَلَا يَجِدُ بُدًّا, أَوْ مُتَكَلِّفٌ».


🍁 وقال يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «لَيْسَ مِنَ الْعُلُومِ كُلِّهَا عِلْمٌ هُوَ أَوْجَبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَعَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ وَكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عِلْمِ نَاسِخِ الْقُرْآنِ وَمَنْسُوخِهِ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ بِنَاسِخِهِ وَاجِبٌ فَرْضًا، وَالْعِلْمُ بِهِ لَازِمٌ دِيَانَةً وَالْمَنْسُوخُ لَا يَعْمَلُ بِهِ وَلَا يُنْتَهَى إِلَيْهِ فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ عِلْمُ ذَلِكَ، لِئَلَّا يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ أَمْرًا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ يَضَعُ عَنْهُ فَرْضًا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ».


🍁 وقال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: (مَعْرِفَةُ هَذَا الْبَابِ أَكِيدَةٌ وَفَائِدَتُهُ عَظِيمَةٌ، لَا يَسْتَغْنِي عَنْ مَعْرِفَتِهِ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا الْجَهَلَةُ الْأَغْبِيَاءُ، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّوَازِلِ فِي الْأَحْكَامِ، وَمَعْرِفَةِ الْحَلَالِ مِنَ الْحَرَامِ).
🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃
🌿 اللهم إنَّا نسألك علما نافعا ، وعملا صالحا متقبلا.

كريمان
11-14-2015, 10:41 PM
الناسخ والمنسوخ


☀ تَعْرِيفُ النَّسْخِ:


ا لنَّسْخُ لُغَةً: الرَّفْعُ وَالْإِزَالَةُ، يُقَالُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، وَالرِّيحُ الْأَثَرَ.


وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يُشْبِهُ النَّقْلَ، نَحْوَ نَسَخْتُ الْكِتَابَ، وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا هُوَ حَقِيقَةٌ، وأيهما المجاز ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ حقيقة فِي الرَّفْعِ وَالْإِزَالَةُ.


وَشَرْعًا: هُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِخِطَابٍ مُتَقَدِّمٍ، بِخِطَابٍ مُتَرَاخٍ عَنْهُ.


شرح التعريف:


✨ قول العلماء: (رَفْعُ) الرَّفْعُ: إِزَالَةُ الْحُكْمِ عَلَى وَجْهٍ، لَوْلَاهُ لَبَقِيَ ثَابِتًا، مثل فَسْخِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ رَفْعٌ لِحُكْمِهِ لِسَبَبٍ خَفِيٍّ عَنِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ; بِخِلَافِ انْتِهَاءِ مُدَّتِهِ فَإِنَّهُ بسَبَبٍ معلوم للْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ.




✨ وقولهم: (الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِخِطَابٍ مُتَقَدِّمٍ)، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوخُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَا عَقْلِيًّا أَصْلِيًّا، كَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ فإنها لَمْ تَثْبُتْ بِخِطَابٍ مُتَقَدِّمٍ، والتشريع بعدها ليس نسخًا لها.


✨ وقولهم: (بِخِطَابٍ)، احْتِرَازٌ مِنْ رَفْعِ الْحُكْمِ بِسبب الْمَوْتِ أوْ الْجُنُونِ; فَلَيْسَ بِنَسْخٍ. فَإِنَّ مَنْ مَاتَ، أَوْ جُنَّ، انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ التَّكْلِيفِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَسْخٍ; لِأَنَّ انْقِطَاعَ الْأَحْكَامِ عَنْهُمَا لَمْ يَكُنْ بِخِطَابٍ.


✨ وقولهم: (مُتَرَاخٍ عَنْهُ)، احْتِرَازٌ مِنْ رَفْعِ الْحُكْمِ بِخِطَابٍ مُتَّصِلٍ، كَالشَّرْطِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ، وَالتَخْصِيصِ; فَإِنَّهُ بَيَانٌ لَا نَسْخٌ.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله ذخرا لنا يوم المعاد

كريمان
11-14-2015, 10:45 PM
الناسخ والمنسوخ


☀ سبيل معرفة النَّاسِخِ وَالمَنْسُوْخِ:


قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: إِنَّمَا يُرْجَعُ فِي النَّسْخِ إِلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ يَقُولُ آيَةُ كَذَا نَسَخَتْ كَذَا. قَالَ: وَقَدْ يُحْكَمُ بِهِ عِنْدَ وُجُودِ التَّعَارُضِ الْمَقْطُوعِ بِهِ مِنْ عِلْمِ التَّارِيخِ لِيُعْرَفَ الْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ. قَالَ: وَلَا يُعْتَمَدُ فِي النَّسْخِ قَوْلُ عَوَامِّ الْمُفَسِّرِينَ بَلْ وَلَا اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ صَحِيحٍ وَلَا مُعَارِضَةٍ بَيِّنَةٍ لِأَنَّ النَّسْخَ يَتَضَمَّنُ رَفْعَ حُكْمٍ وَإِثْبَاتَ حُكْمٍ تَقَرَّرَ فِي عَهْدِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُعْتَمَدُ فِيهِ النَّقْلُ وَالتَّارِيخُ دُونَ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ. قَالَ: وَالنَّاسُ فِي هَذَا بَيْنَ طَرَفَيْ نَقِيضٍ فَمِنْ قَائِلٍ لَا يُقْبَلُ فِي النَّسْخِ أَخْبَارُ الْآحَادِ الْعُدُولِ وَمِنْ مُتَسَاهِلٍ يَكْتَفِي فِيهِ بِقَوْلِ مُفَسِّرٍ أَوْ مُجْتَهِدٍ وَالصَّوَابُ خِلَافُ قَوْلِهِمَا انْتَهَى.


وقال أبو محمد ابن حزم رحمه الله: لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة هذا مَنْسُوخٌ إلا بيقين لأن الله عز وجل يقول:{وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً}.


وقال تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.


✨ فكل ما أنزل الله تعالى في القرآن أو على لسان نبيه ففرض اتباعه فمن قال في شيء من ذلك إنه مَنْسُوخٌ فقد أوجب ألا يطاع ذلك الأمر وأسقط لزوم اتباعه وهذه معصية لله تعالى مجردة وخلاف مكشوف إلا أن يقوم برهان على صحة قوله وإلا فهو مفتر مبطل ومن استجاز خلاف ما قلنا فقوله يؤول إلى إبطال الشريعة كلها لأنه لا فرق بين دعواه النسخ في آية ما أو حديث ما وبين دعوى غيره والنسخ في آية ما أو حديث ما وبين دعوى غيره النسخ في آية أخرى وحديث آخر فعلى هذا لا يصح شيء من القرآن والسنة وهذا خروج عن الإسلام وكل ما ثبت بيقين فلا يبطل بالظنون ولا يجوز أن تسقط طاعة أمر أمرنا به الله تعالى ورسوله إلا بيقين نسخ لا شك فيه.

اللهم إنَّا نسألك علما نافعا، وعملا صالحا متقبلا.

كريمان
11-14-2015, 11:13 PM
الناسخ والمنسوخ


☀ إِثْبَاتُ النَّسْخِ والرَدُّ عَلَى مُنْكِرِيهِ:


⚡النَّسْخُ ثابت بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ وَعَلَى وُقُوعِهِ أَيْضًا.


وَخَالَفَ الْيَهُودُ وَأَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ ومن المتأخرين عبد المتعال الجبري في كتاب: (النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه) فِي جَوَازِ النَّسْخِ عَقْلًا، فضلا عن وقوعه، وسنذكر الشبه التي تمسكوا بها، والرد عليها.


أما ثبوت النَّسْخِ بالكتاب فقد قال الله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.


وقال الله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.


قال ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ في بَابِ إِثْبَاتِ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مَنْسُوخًا: انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا إِلا أَنَّهُ قَدْ شَذَّ مَنْ لا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ فَحَكَى أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ نَاسِخٌ وَلا مَنْسُوخٌ. وَهَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُقَرُّونَ، لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا نَصَّ الْكِتَابِ، وَإِجْمَاعَ الأُمَّةِ قَالَ الله عز وجل:{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}.


⚡ أما ثبوت النَّسْخِ بالسنة فمن ذلك ما ثبت عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: إِنِّي لَتَحْتَ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيلُ عَلَيَّ لُعَابُهَا فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
وسواءً كانَ الذي نَسَخَ الْوَصِيَّةَ آيَةُ الْمَوَارِيثِ، أَوْ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» فقد أجمع العلماء على أن وجوب الْوَصِيَّةِ منسوخٌ.


⚡ وأما الإجماع فقد قَالَ الآمدي رَحِمَهُ اللَّهُ: الصَّحَابَةُ وَالسَّلَفُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى نَسْخِ وُجُوبِ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ، وَعَلَى نَسْخِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ، وَنَسْخِ صَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، وَنَسْخِ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُجُوبِ التَّرَبُّصِ حَوْلًا كَامِلًا عَنِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَوُجُوبِ ثَبَاتِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} الْآيَةَ، بِقَوْلِهِ {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} الْآيَةَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَدِّدَةِ.


وقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي رَحِمَهُ اللَّهُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ إِيجَابَ الْوَصِيَّةِ لِكُلِّ وَارِثٍ مِنَ الْأَقْرَبِينَ مَنْسُوخٌ.


وقال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنْكَرَتْ طَوَائِفُ مِنَ الْمُنْتَمِينَ لِلْإِسْلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ جَوَازَهُ، وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ السَّابِقِ عَلَى وُقُوعِهِ فِي الشَّرِيعَةِ.


وقال أيضًا رَحِمَهُ اللَّهُ: ولا خِلَافَ بَيْنِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ شَرَائِعَ الْأَنْبِيَاءِ قُصِدَ بِهَا مَصَالِحُ الْخَلْقِ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ الْبَدَاءُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَآلِ الْأُمُورِ، وَأَمَّا الْعَالِمُ بِذَلِكَ فَإِنَّمَا تَتَبَدَّلُ خِطَابَاتُهُ بِحَسَبِ تَبَدُّلِ الْمَصَالِحِ، كَالطَّبِيبِ الْمُرَاعِي أَحْوَالَ الْعَلِيلِ، فَرَاعَى ذَلِكَ فِي خَلِيقَتِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَخِطَابُهُ يَتَبَدَّلُ، وَعِلْمُهُ وَإِرَادَتُهُ لَا تَتَغَيَّرُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ فِي جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَجَعَلَتِ الْيَهُودُ النَّسْخَ وَالْبَدَاءَ شَيْئًا وَاحِدًا، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجَوِّزُوهُ فَضَلُّوا.


وَقَالَ النَّحَّاسُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّسْخِ وَالْبَدَاءِ أَنَّ النَّسْخَ تَحْوِيلُ العبادة من شيء إلى شيء قَدْ كَانَ حَلَالًا فَيُحَرَّمُ، أَوْ كَانَ حَرَامًا فَيُحَلَّلُ. وَأَمَّا الْبَدَاءُ فَهُوَ تَرْكُ مَا عُزِمَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ: امْضِ إِلَى فُلَانٍ الْيَوْمَ، ثُمَّ تَقُولُ لَا تَمْضِ إِلَيْهِ، فَيَبْدُو لَكَ الْعُدُولُ عَنِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا يَلْحَقُ الْبَشَرَ لِنُقْصَانِهِمْ. وَكَذَلِكَ إِنْ قُلْتَ: ازْرَعْ كَذَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ قُلْتَ: لَا تَفْعَلْ، فَهُوَ الْبَدَاءُ.

اللهم إنَّا نسألك علما نافعا، وعملا صالحا متقبلا.

كريمان
11-18-2015, 12:19 AM
الناسخ والمنسوخ


☀ أَضْرُب النَّسْخِ


النَّسْخُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:


الْأَوَّلُ: نَسْخُ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ مَعًا.


مِثَالُهُ مَا ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ». رواه مسلم


فَهذه الآيَةُ : {عَشْرِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ}.


وأيضًا الآيَةُ الأخرى: {خَمْسُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ}.


نُسِخَتْ كل واحدة منها تلَاوَةً وَحُكْمًا إِجْمَاعًا.


أما ألأولى فنسخت بالثانية كما في الحديث.


وأما الثانية فنسخت بالسنة؛ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ». رواه مسلم


الثَّانِي: نَسْخُ التِّلَاوَةِ وَبَقَاءُ الْحُكْمِ.


وَمِثَالُهُ آيَةُ الرَّجْمِ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ الرَّجْمَ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَلَا تُخْدَعُنَّ عَنْهُ، أَلَا إِنَّ آيَةَ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَجَمَ، وَرَجَمَ أَبُو بَكْرٍ، وَرَجَمْنَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَكْتُبَ فِي نَاحِيَةِ: الْمُصْحَفِ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ، أَلَا إِنَّهُ سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِكُمْ أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ وَبِالدَّجَّالِ، وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَقَوْمٌ يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا امْتَحَشُوا». رواه أحمد


الثَّالِثُ: نَسْخُ الْحُكْمِ وَبَقَاءُ التِّلَاوَةِ.


وَهُوَ غَالِبُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمَنْسُوخِ، ومن ذلك آيَةُ القبلة، وَآيَةُ الوصية، وَآيَةُ حق التقوى، وَآيَةُ الْمُصَابِرَةِ، وَآيَةُ الْعِدَّةِ، وَآيَةُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ، وَآيَةُ حَبْسِ الزَّوَانِي، وغيرها.


⛔ تنبيه: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ نَسْخَ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ لَا يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومحال أن يُنْسَخَ شَيْءُ مِنْ الْقُرْآنِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه لا نَسْخَ إلا بالوحي.

اللهم إنَّا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

كريمان
11-22-2015, 01:32 AM
الناسخ والمنسوخ


☀ أَقْسَامُ النَّسْخِ


النَّسْخُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:


وهي نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ، وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ، وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ.


اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلين، وَهُمَا نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ، وَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ.


وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْقِسْمَيْنِ الآخَرَيْنِ، وهذا تفصيل الكلام في بيان أَقْسَامِ النَّسْخِ.


الْأَوَّلُ: نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ.
وكما قلنا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، وقد قدمنا في مبحث إِثْبَاتُ النَّسْخِ والرَدُّ عَلَى مُنْكِرِيهِ، الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على ذلك.


الثاني: نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ.
لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ كذلك فِي نَسْخِ السُّنَّةِ بِمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ.


واختلفوا في نَسْخِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالْآحَادِ فقالت طائفة: يَجُوزُ نَسْخُ الْآحَادِ بِالْآحَادِ, وَالْمُتَّوَاتُرِ بِالْمُتَّوَاتُرِ، ولا يجوز نَسْخُ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالْآحَادِ.


قال الخطيب البغدادي: وَيَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ, كَمَا يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ, الْآحَادِ بِالْآحَادِ, وَالتَّوَاتُرَ بِالتَّوَاتُرِ فَأَمَّا نَسْخُ التَّوَاتُرَ بِالْآحَادِ فَلَا يَجُوزُ , لِأَنَّ التَّوَاتُرَ يُوجِبُ الْعِلْمَ, فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ بِمَا يُوجِبُ الظَّنَّ.


وقالت طائفة: يَجُوزُ نَسْخُ الْآحَادِ بِالْآحَادِ, وَنَسْخُ الْمُتَّوَاتُرِ بِالْمُتَّوَاتُرِ، وَنَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ، وَنَسْخُ الْآحَادِ الْمُتَوَاتِرِ، وهو الصَّحِيحُ.


قال ابن حزم: وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر والسنة المنقولة بأخبار الآحاد كل ذلك ينسخ بعضه بعضا.


وقال جلال الدين المحلي: فَيَجُوزُ نَسْخُ الْمُتَوَاتِرَةِ بِمِثْلِهَا وَالْآحَادِ بِمِثْلِهَا وَبِالْمُتَوَاتِرَةِ وَكَذَا الْمُتَوَاتِرَةُ بِالْآحَادِ عَلَى الصَّحِيحِ.


⚡ الراجح:


والراجح أن الْمُتَوَاتِرَ يَنْسَخُ الْآحَادَ، وَأنَّ الْآحَادَ يَنْسَخُ الْمُتَوَاتِرَ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

اللهم إنَّا نسألك علما نافعا، يقربنا إليك.

كريمان
11-23-2015, 08:13 PM
الناسخ والمنسوخ


☀ الثالث: نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ.


قال الحازمي: أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَهَبُوا إِلَى الْجَوَازِ وَقَالُوا: لَا اسْتِحَالَةَ فِي وُقُوعِهِ عَقْلًا، وَقَدْ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى وُقُوعِهِ، فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
ثم روى عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ.


وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ.


وَقَطَعَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الظَّاهِرِ بِامْتِنَاعِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ ابْنُ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.


قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: وَالنَّاسِخُ مِنَ الْقُرْآنِ الْأَمْرُ يُنْزِلُهُ اللَّهُ بَعْدَ الْأَمْرِ يُخَالِفُهُ، كَمَا حَوَّلَ الْقِبْلَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَكُلُّ مَنْسُوخٍ يَكُونُ حَقًّا مَا لَمْ يُنْسَخْ، فَإِذَا نُسِخَ كَانَ الْحَقُّ فِي نَاسِخِهِ، وَلَا يَنْسَخُ كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا كِتَابُهُ، وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْسَخُهَا إِلَّا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.


قَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ، سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ: «السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ»، مَا تَفْسِيرُهُ ؟ قَالَ: أَجْبُنُ أَنْ أَقُولَ فِيهِ، وَلَكِنِ السُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ، وَلَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ إِلَّا الْقُرْآنُ.


وَأَجَازَ ذَلِكَ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنُ سُرَيْجٍ، وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي الْوُقُوعِ، وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ عَقْلًا.


وأما ماروي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ, يَنْسَخُ كَلَامِي وَكَلَامُ اللَّهِ, يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا».


فإنه حديث موضوع ليس من كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه جَبَرُونُ بْنُ وَاقِدٍ، مُتَّهم بِالْوَضْعِ، قَالَ عَنْهُ الذَّهَبِيّ فَإِنَّهُ روى بقلة حَيَاءٍ عَن سُفْيَان عَن أبي الزبير عَن جَابر مَرْفُوعا: «كَلَامُ الله ينْسَخ كَلَامي......... ». الحَدِيث.
وقال عنه الحازمي: لَا يُعْرَفُ لَهُ سِوَى حَدِيثَيْنِ؛ هَذَا أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُنْكَرٌ، وَلَا أَعْلَمُ رَوَاهُ غَيْرُهُ.

☀ الرابع: نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ.
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ فذهب الْجُمْهُورُ إلى جوازه ووقوعه، وخالف الشَّافِعِيُّ في جوازه ووقوعه.


قَالَ الْآمِدِيُّ: الْمَنْقُولُ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْفُقَهَاءِ جَوَازُهُ عَقْلًا وَوُقُوعُهُ شَرْعًا.
احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ عَلَى الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ وَالْوُقُوعِ الشَّرْعِيِّ.


أَمَّا الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ: فَهُوَ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}. غَيْرَ أَنَّ الْكِتَابَ مَتْلُوٌّ، وَالسُّنَّةَ غَيْرُ مَتْلُوَّةٍ، وَنَسْخُ حُكْمِ أَحَدِ الْوَحْيَيْنِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا، وَلِهَذَا فَإِنَّا لَوْ فَرَضْنَا خِطَابَ الشَّارِعِ بِجَعْلِ الْقُرْآنِ نَاسِخًا لِلسُّنَّةِ لَمَا لَزِمَ عَنْهُ لِذَاتِهِ مُحَالٌ عَقْلًا.


وَأَمَّا الْوُقُوعُ الشَّرْعِيُّ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:


الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا رَدَّهُ حَتَّى إِنَّهُ رَدَّ أَبَا جَنْدَلٍ وَجَمَاعَةً مِنَ الرِّجَالِ فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} وَهَذَا قُرْآنٌ نَسَخَ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مِنَ السُّنَّةِ.


الثَّانِي: أَنَّ التَّوَجُّهَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يُعْرَفْ إِلَّا مِنَ السُّنَّةِ وَقَدْ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ التَّوَجُّهَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ مَعْلُومًا بِالْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}; لِأَنَّ قَوْلَهُ {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} تَخْيِيرٌ بَيْنَ الْقُدْسِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْجِهَاتِ، وَالْمَنْسُوخُ إِنَّمَا هُوَ وُجُوبُ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ عَيْنًا، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ مِنَ الْقُرْآنِ.


الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ فِي اللَّيْلِ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى الصَّائِمِ بِالسُّنَّةِ، وَقَدْ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ}.


الرَّابِعُ: أَنَّ صَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ وَاجِبًا بِالسُّنَّةِ، وَنُسِخَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.


ال ابن حزم رحمه الله: وقالت طائفة جائز كل ذلك والقرآن ينسخ بالقرآن وبالسنة والسنة تنسخ بالقرآن وبالسنة قال أبو محمد وبهذا نقول وهو الصحيح وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر والسنة المنقولة بأخبار الآحاد كل ذلك ينسخ بعضه بعضا وينسخ الآيات من القرآن وينسخه الآيات من القرآن وبرهان ذلك ما بيناه في باب الأخبار من هذا الكتاب من وجوب الطاعة لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كوجوب الطاعة لما جاء في القرآن ولا فرق وأن كل ذلك من عند الله تعالى { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، [النجم: 3، 4] فإذا كان كلامه وحيا من عند الله عز وجل والقرآن وحي فنسخ الوحي بالوحي جائز لأن كل ذلك سواء في أنه وحي.


الرَّاجِحُ:


الرَّاجِحُ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ كِلَاهُمَا يُنْسَخُ بِالْآخَرِ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.